للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إِنِّي مِنْ الْقَوْمِ الذينَ سُيوفُهمْ … قَتَلوا الرجال وشرفوك بمقعَدِ

شادوا بذكرِكَ بَعد طُولِ خُمُولِه … واستَنْقَذُوكَ مِنْ الحَضِيضِ الأَوهَدِ

ليت شعري متى استنقذه من الحضيض؟ ومن شاد بذكره حتى رفع طرفه الغضيض؟ أبفقود، نسبه، أم بخمود جمرات قضبه؟ أم بخمول أبيه هارون الرشيد؟ أم بحلول خراسان في قبضته يتصرف فيها كيف يريد؟ أم بتناسي العهد المعلق في البيت الحرام كتابه لم تخفه ما تزن الرواسي له من علم .. على معاطف الدهر وآدابه، كلا بل والله هو الذي ذكره طول الخمول، وأخفى الحضيض الأوهد شخصه المرذول. ولقد قال (١) في المعتصم: [من الطويل]

مُلُوكُ بني العَبَّاسِ في الكُتُبِ سَبْعَةٌ … ولم تأتِنَا فِي ثَامِن لَهُمُ الْكُتب

كَذَلِكَ أَهْلُ الكَهْفِ فِي الكَهْفِ سَبْعَةٌ … وثامنهم فيما يقال لنا كلب

وما كفاه ما هجاه به في حياته، ولا قنع بمضغ لحمه طريًا حتى أكل من رفاته، بما قال فيه بعد وفاته، فإنه لما جاء نعي المعتصم وقام الواثق بعده، هاجت بدعبل حميته الجاهلية فأخرجت ما عنده، وقال (٢): [من البسيط]

الحمد لله لا صبر ولا جَلَدُ … وَلَا عَزَاءٌ إِذَا أَهلُ البلى رَقَدُوا

خَليفَةٌ ماتَ لم يَحزَنْ لَهُ أَحدُ … وآخر قام لم يَفْرَحْ، بِهِ أَحَدُ

فمرَّ هذا وَمَرَّ اللؤم يتبعُهُ … وقام هذا فقام الظلم والنَّكَدُ

وحاشى المعتصم وكلًا قدره أجل، وذكره عليه أدلّ. هو الملك الحلاحل، والفلك الذي لا تعدله المراجل الفاتك بذراعه الفارك قمم المعاقل بقراعه، والد الخلفاء، ووارد الصفاء، ومورّث الملك في بنيه إرثًا خلد في أعقابهم، وخلع عن الناس كل طاعة إلا ما قلّدها لهم في رقابهم، فنعش جديد هذا الهجاء، ورمى حيث لا ينشر هو والهِجاء. وكان يقول: لي كذا وكذا سنة أحمل خشبتي على عاتقي لا أجد من يصلبني عليها، وظفر به المأمون وسامحه، وغفر له ذنبه وكف طامحه، وتطلبه المعتصم حتى أضمرته البلاد، وأمرته الأرض إلى منقطع الوهاد، وله شعر شان الاختيار فيه منخفض شان المختار منه، إنه لما تعدى ولاء أهل البيت إلى الرفض رفض. ومن المرتاد له قوله (٣): [من المقارب]

وَدَاعُكَ مثلُ وَدَاعِ الرَّبِيعِ … وفقدُكَ مِثلُ افتقاد الديم


(١) الأبيات من قصيدة في ديوانه ط ٢ ص ١٠٢ - ١٠٣ قوامها ١٢ بيتًا.
(٢) القطعة في ديوانه ص ١٦٨ في ٣ أبيات.
(٣) القطعة في ديوانه ص ٢٨٦ في بيتين.

<<  <  ج: ص:  >  >>