وأتى مثل سرابه من الفرات، بما راق، وغاص من دقيق المعاني على ما بعد قراره، وعقد على تيجان الملوك كباره، ومدح المعتصم بما سطعت أنواره، وقطعت على جداول القدماء بحاره، ثم ما سمحت الأيام بامتدادها لمهله، ولا باعتدادها للمدافعة قليلًا عن أجله، فاخترم شابًا ما جف عوده، ولا جفا مجالس الفتيان تعوده، وله في جمع ديوان الحماسة فضل سبق بأوّله، وسحق يحوز أفضله، حكي أنه ألّفها وهو بخراسان عند ابن طاهر وقد أقعده هنالك الشتاء، وأشابه الثلج وما فارقه الفتاء، وقد حيل بينه وبين العراق بجبال فيها من برد، وأودية تستطيب الظمأ دونها من ورد، قد لبست الثلوج عليه فيها مسالكه، وأرخى السحاب بها قوّته المتماسكة، وكلف بها النوء فحل عليها نطاقه، وهام بها الغمام فضرب حوله وطاقه. وكان ابن ظاهر قد سلّم إليه خزائن كتبه يستخدم طرفه ناظرًا في دواوينها، ويطلق تصرفه مجتنيًا ما شاء من ثمرات بساتينها، فجمع الحماسة من جني تلك الجنان، واستصفى السلافة من رائق تلك الدنان، حتى قال بعضهم هو في جمعها أشعر منه في شعره. وألف غيرها من الكتب المختارة، وقد قيل: أحد المصنفين من أحسن اختياره، هذا على أن أبا الطيب المتنبي على بديع اختراعه، وبعيد افتراعه، وعظيم اقتداره على حسن ابتداعه، وتحسين ما زاد به على الأوائل في جميل اتباعه، كان لا يفتأ ديوان أبي تمام في كمه، وعنوان شعره مقتدح الشعاع في فهمه، ولقد قال يومًا من أبو تمام؟ فقال له الحاتمي: هو لاتك وغزاك، ومن نظر في شعريهما نظر بين قدريهما وأبو تمام هو المُمِدّ، وأبو الطيب هو المستمد، وشيخنا حجة العرب علم الحفاظ، أبو حيان النفري الجياني بارك الله في بقية عمره يقول: أنا لا أقبل عذلًا في حبيب، وحسبك بقول هذا العالم اللبيب.
ومن جيد أبي تمام، الطالع في درجة التمام، قوله (١): [من الكامل]
(١) القصيدة في ديوانه ص ١٧ - ٢١ في ٣٠ بيتًا. (٢) المُعَرِّس: المقام - الغيث: المطر - الدجنة: هنا الغمام الكثيف المظلم - الوطفاء: السحابة المتدلية الأهداب وأصلها في الجفن الكثير الشعر. (٣) المسك: هو من الطيب الحار، والكافور هو من الطيب البارد - والطَّل: الندى، الصبا: الريح الشمالية. (٤) صنعاء: بلدة في اليَمَن أُثِرَتْ فيها صناعة الوشي فسميت بها.