والأماني، والتظلم فيهن من عدوى الفراق وطلب التداني، وأملق حتى لم يجد قوتًا، ولم يملك شيئًا عليه يؤتى، فإني دارًا من أدر. الفتيان فنزل بها مختطًا بجملتهم، ومختلفًا مع فتيانهم وجلتهم، وكانت هذه الأدر مما يتخذها أكابر الفتيان ببغداد زمان عمارتها، وأوان نضارتها، وينزل بها من تخلق بأخلاق أهل المسار، أو أملق من ذوي اليسار، فمن كانت له بلالة من حال أنفق عليهم ما وسعت يده الإنفاق، ونقعت سحبه غلل الرفاق، حتى إذا أملق وأيسر رفيقه قام مقامه في سدّ ضروراتهم، وستر عوراتهم هكذا أبدًا يتناوب نوبة الموسر، ويتواثب الغني منهم لكفاية المعسر. وكان العباس طول مدته عندهم يتكفف بإنفاقهم، ويتعفف في غالب الأحيان لإرفاقهم، ولا يجد ما يواسيهم بفضله، ولا ما يساويهم إذا عجز عن كله، إلى أن حان حين قضاء بعد بين خاطر الرشيد وبعض حظاياه، وأكد عنده عليها خفوة ما عزمت في سجاياه، فتنكد عيشه الرخي، وتنكر عمّا عُهد منه كفّة السخي، وتعب لهذا وزراؤه وسائر أرباب دولته وأمراؤه، فبعث الفضل بن يحيى رسولًا يستدعي العباس بن الأحنف لعله يقول شعرًا إذا بلغ الرشيد خفض عليه ما يكلفه وخفف ما يجده منها واستعطفه، فلما أتاه قال ما كأنه وعد منه وعدًا ما أخلفه والأبيات التي قالها هي هذه (١): [من الكامل]