للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: فاستوى كسرى جالسًا، وجرى ماء رياضة الحكم في وجهه، وقال لجلسائه: إني وجدته راجحًا، ولقومه مادحًا، وبفضلهم ناطقًا، وفي لفظه صادقًا. كذلك العاقل الذي أحكمته التجارب. ثم أمره بالجلوس، فجلس، ثم قال: كيف بصرك بالطب؟ قال: ناهيك، قال: فما أصل الطب؟ قال: الأزم. قال: فما الأزم؟ قال: ضبط الشفتين والرفق باليدين قال: أصبت قال: فما الداء الدوي؟ قال: إدخال الطعام على الطعام، هو الذي يفني البرية، ويهلك السباع في جوف البرية. قال: أصبت، قال: فما العلة التي لا تصطلم منها الأدواء؟ قال: هي التخمة، إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت. قال: فما تقول في الحجامة؟ قال: في نقصان الهلال في يوم صحو لا غيم فيه، والنفس طيبة والعروق ساكنة، لسرور يفاجؤك، وهم يباعدك. قال: فما تقول في دخول الحمام؟ قال: لا تدخله شبعانًا؛ ولا تغش أهلك سكرانًا؛ ولا تقم بالليل عريانًا؛ ولا تقعد على الطعام غضبانًا؛ وارفق بنفسك، يكن أرخى لبالك؛ وقلل من طعامك، يكن أهنأ لنومك. قال: فما تقول في الدواء؟ قال: ما لزمتك الصحة فاجتنبه؛ فإن هاج داء، فاحسمه بما يردعه قبل استحكامه، فإن البدن بمنزلة الأرض إن أصلحتها عمرت، وإن تركتها خربت. قال: فما تقول في الشراب؟ قال: أطيبه أهنأه، وأرقه امرأه، وأعذبه أشهاه. لا تشربه صرفًا فيورثك صداعًا، ويثير عليك من الأدواء أنواعًا. قال: فأي اللحمان أفضل؟ قال: الجداء الرضع الفتي. والقديد المالح مهلك للآكل. واجتنب الجزور والبقر. قال: فما تقول في الفواكه؟ قال: كلها في إقبالها وحين أوانها، واتركها إذا أدبرت وولت وانقضى زمانها وأفضل الفاكهة: الرمان والأترج؛ وأفضل الرياحين الورد والبنفسج، وأفضل البقول: الهندباء والخس. قال: فما تقول في شرب الماء؟ قال: هو حياة البدن وبه قوامه ينفع ما شرب منه بقدر، وشربه بعد النوم ضرر. أفضله أمراه، وأرقه أصفاه. ومن عظام انهار البارد الزلال لا يختلط بماء الآجام والآكام يدل على صرادع المشطان، ويتسلل عن الرضراض وعظام الحصى في الأبقاع. قال: فما طعمه؟ قال: لا يوصف له طعم إلا أنه مشتق من الحياة. قال: فما لونه؟ قال: اشتبه على الأبصار لونه؛ لأنه يجلو كل لون يكون فيه. قال: أخبرني عن أصل الإنسان ما هو؟ قال: أصله من حيث شرب الماء، يعني رأسه. قال: فما هذا النور في العينين؟ قال: مركب من ثلاثة أشياء: فالبياض شحم، والسواد ماء، والنظر ريح. قال: فعلى كم جُبل وطبع هذا البدن؟ قال: على أربع طبائع: المرة السوداء، وهي باردة يابسة؛ والمرة الصفراء، وهي حارة يابسة، والدم، وهو حار رطب؛ والبلغم، وهو بارد رطب. قال: فلم لم يكن من طبع واحد؟ قال: لو خلق من

<<  <  ج: ص:  >  >>