وكان حينئذ أميرًا قبل أن تصل إليه الخلافة، وصحبه. فلما أفضت الخلافة إلى عمر، وذلك في صفر سنة تسع وتسعين للهجرة، نقل التدريس إلى أنطاكية وحران، وتفرق في البلاد، وكان عمر بن عبد العزيز يستطب ابن أبجر، ويعتمد عليه في صناعة الطب.
وروي عن ابن أبجر قال: دع الدواء ما احتمل بدنك الداء. وهذا من قول النبي ﷺ«سر بدائك ما حملك».
ومنهم:
[٦] ابن أثال (١)
كتابي ضيَّع أمانته، وباع بدنياه ديانته، كان لا يهاب اغتيال النفوس، واختتال مُهَج الرؤوس، طريقة خالف فيها شروط الأطباء، وخال أن يخفيها عن أذان الأبناء حتى قيلت فيه مُلَح الأشعار، ووسمت صيته بشنيع العار، وبقيت عليه قبائحها وذهب المعار.
قال ابن أبي أُصَيْبِعَة (٢): كان طبيبًا متقدمًا من الأطباء المتقدمين في دمشق، نصراني الدين. ولما ملك معاوية بن أبي سفيان دمشق اصطفاه لنفسه وأحسن إليه، وكان كثير الانقياد له والاعتقاد فيه، والمحادثة معه ليلًا ونهارًا. وكان ابن أثال خبيرًا بالأدوية المفردة والمركبة وقواها، وما منها سموم قواتل. وكان معاوية يقربه لذلك كثيرًا.
ومات في أيام معاوية جماعة كثيرة من أكابر الناس والأمراء بالسم. ومن ذلك ما حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن بن محمد الكاتب البغدادي: أن معاوية لما أراد أن يظهر العقد ليزيد قال لأهل الشام: «إن أمير المؤمنين قد كبرت سنه، ورق جلده، ودق عظمه، واقترب أجله، ويريد أن يستخلف عليكم فمن ترون»؟ فقالوا: عبد الرحمن بن خالد بن الوليد. فسكت وأضمرها. ودس ابن أثال النصراني الطبيب إليه، فسقاه سمًا، فمات. وبلغ ابن أخيه خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد خبره وهو بمكة، وكان أسوأ الناس رأيًا في عمه لأن أباه المهاجر كان مع علي ﵇ بصفين، وكان عبد الرحمن بن خالد مع معاوية. وكان خالد بن المهاجر على رأي أبيه، هاشمي المذهب. فلما قتل عمه عبد الرحمن مر به عروة بن الزبير، فقال: يا خالد! أتدع ابن أثال نقى أوصال عمك بالشام، وأنت بمكة مسبل إزارك تجره وتخطر فيه.