أن يكون عليه رسله إليه، وما يكون دليلًا عليه؟» فقالوا: اجعل رسلك إليه من لانت سجيته، وظهرت قناعته، وصدقت لهجته، وكان رجوعه إلى الحق أحب إليه من الظفر به، فإن بين من استولى عليه هذا الوصف وبينه وصلة تدلهم عليه [عند مسقط رأسه ومنشأه، وسيرته في هذه المواضع، فإنك تجده زاهدًا في النعيم، راغبًا في الصدق، مؤثرًا للخلوة، بعيدًا من الحيلة، غير حظي من الملوك. ينسبوه إلى تجاوز حده والخروج عما جري عليه أهل طبقته. تتأمل فيه الخوف، وتخال فيه الغفلة. إذا تكلم في الأمر توهمت أنه عالم بأصوله، وليس يعرف ما يترقى إليه به (١)].
أقول: ولما كان يوم بدر والتقى المسلمون ومشركو قريش، وكانت عدتهم ما بين التسعمائة والألف، والمسلمون يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر. وأيد الله الإسلام ونصر نبيه ﷺ، ووقعت الكسرة على المشركين وقتل في جملتهم صناديد قريش، وأسر جماعة من المشركين. فبعضهم استفكوا أنفسهم، وبعضهم أمر النبي ﷺ بقتلهم. وكان في جملة المأسورين النضر بن الحارث بن كلدة، فقتله ﵊ بعد منصرفه من بدر.
ومنهم:
[٥] عبد الملك بن أبجر (٢)
وهو من أفاضل الأطباء، وأماثل الألباء، وأهل العلم النافع، والتمييز بين المضار والمنافع، لقي حكماء المدن المُمصَّرة، واستضاء بتلك الفطن المبصرة، وأقام بين أهل الكتاب الأول، ثم خالط النصارى، وخالل منهم أنصارا، وقدم بينهم في شرائف الرتب، ووظائف الحكمة التي عنها يكتتب، ولازم الطلب حتى مهر، وداوم الاكتنان ببيت التدريس حتى ظهر.
قال ابن أبي أصيبعة (٣) وقد ذكره: كان طبيبًا عالمًا ماهرًا. وكان أول أمره مقيمًا بالإسكندرية؛ لأنه كان المتولي في التدريس بها من بعد الإسكندرانيين الذين تقدم ذكرهم، وذلك عندما كانت البلاد في ذلك الوقت لملوك النصارى. ثم إن المسلمين لما استولوا على البلاد وملكوا الإسكندرية، أسلم ابن أبجر على يد عمر بن عبد العزيز،
(١) سقط في نسختنا وأتممناه من نسخة أحمد الثالث. (٢) ترجمته في: عيون الأنباء ١٧١، طبقات الأطباء ٥٩، طبقات الأمم ٦٣. (٣) عيون الأنباء ١٧١.