للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[٨] حكم الدمشقي (١)

ممن نمى وراثة أبيه، ودمى بفضله قلوب حاسديه، وأمسى على من ناواه شديد الشكيم، وأضحى وهو لا يُدعى إلا الحكم الحكيم.

قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان يلحق بأبيه في معرفته بالمداواة والأعمال الطبية والصفات البديعة. وكان مقيمًا بدمشق. وعمر أيضًا عمرًا طويلًا.

قال أبو يوسف بن إبراهيم: حدثني عيسى بن حكم أن والده توفي، وكان عبد الله بن طاهر بدمشق في سنة عشر ومائتين؛ وأن عبد الله سأله عن مبلغ عمر أبيه فأعلمه أنه عمره مائة وخمس سنين، لم يتغير عقله، ولم ينقص علمه. فقال عبد الله: عاش حكم نصف التاريخ.

قال يوسف: وحدثني عيسى أنه ركب مع أبيه حكم بمدينة دمشق، إذ اجتازوا بحانوت حجام وقد وقف عليه بشر كثير، فلما بصر بنا بعض الوقوف قال: أفرجوا هذا حكم المتطبب وعيسى ابنه. فأفرج القوم، فإذا رجل قد فصده الحجام في العرق الباسليق، وقد فصده فصدًا واسعًا، وكان الباسليق على الشريان، فلم يحسن الحجام تعليق العرق فأصاب الشريان. ولم يكن عند الحجام حيلة في قطع الدم. واستعملنا الحيلة في قطعه بالرفائد، ونسج العنكبوت والوبر، فلم ينقطع بذلك. فسألني والدي عن حيلة، فأعلمته أنه لا حيلة عندي. فدعا بفستقة فشقها وطرح ما فيها، وأخذ أحد نصفي القشر فجعله على موضع الفصد، ثم أخذ حاشية من ثوب كتان غليظ فلف بها موضع الفصد على قشر الفستقة لفًا شديدًا، حتى كان يستغيث المقتصد من شدته، ثم شد ذلك بعد اللف شدًا شديدًا، وأمر بحمل الرجل إلى نهر بردى، وأدخل يده في الماء ووطأ له على شاطئ النهر ونومه عليه، وأمر فحسى محات بيض نمرشت، ووكل به تلميذًا من تلامذته، وأمر بمنعه من إخراج يده من موضع الفصد من الماء إلا عند وقت الصلاة أو يتخوف عليه الموت من شدة البرد. فإن تخوف ذلك أذن له في إخراج يده هنيهة ثم أمره بردها، ففعل ذلك إلى الليل. ثم أمر بحمله إلى منزله ونهاه عن تغطية موضع الفصد، وعن حل الشد قبل استتمام خمسة أيام، ففعل ذلك. إلا أنه صار إليه في


(١) ترجمته في: عيون الأنباء ١٧٦ - ١٧٧، أخبار الحكماء ١٧٨.
(٢) عيون الأنباء ١٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>