للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العرب حكمة اليونان، ولخصت به العبارة التي لا تفهم، وخلصت خلاص ابن المهلب من الأدهم، وأخذ يعالج سكان البادية بما لا يبعد من أمزجتها، ولا يعد منه خروج عن محجتها مما تعهده في ديارها، وتتعهد به ملابس غيارها، وعُمّر مدة في صدر الإسلام وسطر عدة تحفظ له من حُرِّ الكلام، وهو الذي تعده أمة العرب سابق أطبائها وسابق أبنائها. وكفاه شُكرًا أن رسول الله أجرى له ذكرًا.

قال ابن أبي أصيبعة (١): كان من الطائف، وسافر البلاد، وتعلم الطب بناحية فارس، وتمرن هناك، وعرف الداء والدواء. وكان يضرب بالعود تعلمه بفارس واليمن. وبقي أيام رسول الله وأدرك سلطان معاوية. وقال له معاوية: ما الطب؟ فقال: الأزم، يعني الجوع. وفي الحديث أن عمر سأله، ما الدواء؟ فقال: الأزم. يعني الحمية. وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه مرض بمكة مرضًا فعاده رسول الله ، وقال: ادعوا له الحارث بن كلدة؛ فإنه رجل يطبب. فلما نظر إليه الحارث، قال: ليس عليه بأس اتخذوا له فريقة بشيء من تمر عجوة وحلبة يطبخان، فتحسّاها فبرئ.

وفد على كسرى أنوشروان، فلما وقف بين يديه قال له: من أنت؟ قال: الحارث بن كلدة الثقفي. قال: ما صناعتك؟ قال: الطب. قال: أعرابي أنت؟ قال: نعم، قال: فما تصنع العرب بطبيب مع جهلها، وضعف عقولها، وسوء أغذيتها؟ قال: أيها الملك، إذا كانت هذه صفتها، كانت أحوج إلى من يصلح جهلها، ويقيم عوجها، ويسوس أبدانها، ويعدل أمشاجها. فإن العاقل يعرف موضع دائه. ويحترز من الأدواء. قال كسرى: فكيف تعرف ما تورده عليها، ولو عرفت الحكم لم تنسب إلى الجهل، قال الحارث: الطفل يناغي فيداوى، والحية ترقى فتحاوى. ثم قال: أيها الملك، العقل من قسم الله تعالى قسمه ومعدم بين عباده، كقسمة الرزق بينهم. ومنهم مثر ومعدوم، وجاهل وعالم، وعاجز وحازم، ذلك تقدير العزيز العليم. فأعجب كسرى من كلامه، ثم قال: فما الذي تحمد من أخلاقها؟ ويعجبك من مذاهبها وسخائها؟ قال الحارث: أيها الملك لها أنفس سخية، وقلوب جرية، ولغة فصيحة، وألسن بليغة، وأنساب صحيحة، وأحساب شريفة، يمرق من أفواههم الكلام مروق السهم من نبعة الرام، أعذب من هواء الربيع، وألين من السلسبيل المعين، مطعمو الطعام في الجدب، وضاربو الهام في الحرب. لا يرام عزهم، ولا يُضام جارهم، ولا تستباح حريمهم، ولا يذل كريمهم، ولا يقرون بفضل للأنام، إلا للملك الهمام الذي لا يقاس به أحد، ولا يوازيه سوقة ولا ملك.


(١) عيون الأنباء ١٦١.

<<  <  ج: ص:  >  >>