للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

السؤال: بأنَّ إمام الحرمين أبا المعالي الجويني قال في كتابه (البرهان): الحق أنه إن كان المزكي عالماً بأسباب الجرح والتعديل، اكتفينا بإطلاقه (الجرح وإلا فلا)، وأردف قائلاً: وهذا هو الذي اختاره أبو حامد العزالي، والإمام فخر الدين بن الخطيب، وتقدم نقله عن القاضي أبي بكر، وأنه نقله عن الجمهور، وممن اختاره أيضًا من المحدثين الخطيب، فقال بعد أن فرق بين الجرح والتعديل في بيان السبب: على أنا نقول أيضًا: إن كان الذي يُرْجَعُ إليه في الجرح عدلاً مرضيًا، في اعتقاده، وأفعاله، عارفًا بصفة العدالة والجرح وأسبابهما، عالماً باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك، قبل قوله فيمن جرحه مجملاً، ولا يسأل عن سببه (١).

وبهذا رد العراقي ترجيح ابن الصلاح للقول الأول، ورد أيضًا جوابه عن فائدة ذكر الجرح المجمل، الذي استحسنه، مع أنه يفضي إلى التوقف المطلق في قبول كثير من الأحاديث، وأقر ترجيح الرأي الرابع الذي عليه الجمهور، وبه يرتفع التساؤل كلية، ويمتنع التوقف في قبول حكم العلماء المجمل، سواء على الراوي أو المروي؛ لأن أئمة هذا الشأن لا يوثقون ولا يجرحون إلا عن فحص وتأمل كاف.

وهكذا نجد في هذا المثال صورة واضحة، لمباحث العراقي القيمة والجامعة في هذا الشرح، فقد اشتمل تناوله لهذا الموضوع على نماذج عديدة لبحثه للقضايا، ومعالجته للآراء المتعلقة بها، وتحديد موقفه منها، بحيث يمكنني الاكتفاء بذلك عن تعديد أمثلة أخرى، فقد رأينا أنه حدد درجة الآراء: من الصحة، والشهرة، والصواب، والظاهر، والمعروف، والقوي، والمختار، وقارن بين الآراء وبعضها البعض، وبين وجهة نظر القائل بالرأي ودليله، ومثاله، وقام بتأصيل الرأي المتداول.


(١) انظر في تفصيل هذه الآراء جميعها (فتح المغيث) للعراقي ج ٢/٩ - ١٥ و ٥ مقدمة ابن الصلاح» / ١٣٨ - ١٤٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>