[حقيقة الزهد وكيف يكون]
[السُّؤَالُ]
ـ[أنا شاب أبلغ من العمر ٢٠ سنة مشترك في كتاب لحفظ القرءان ومحافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها وأذكر الله. وشبه مواظب على أذكار الصباح والمساء ... وأحاول قيام الليل ومحب لمدح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومحب لعلماء الأمة ومحب للفقه الإسلامي ومعظم كلامي في اليوم والليلة يكون حول السيرة أو الفقه أو سير بعض الشيوخ وأغض بصري ولست ممن لهم صديقات ولا أسمع الأغاني ولا أتفرج على الأفلام ولست من محبي التشات ...
ولكن مشكلتي هي الاستمناء. والآن تطور الحال وتحول من الاستمناء فقط إلى التفرج على الصور الخليعة والاستمناء. وفي بداية توبتي تركت هده العادة الخبيثة ولا أعرف كيف تركتها لمدة سنة تقريبا وعدت إليها مند أشهر عديدة وكيف عدت إليها لا أعرف.
وحاولت أن أحصن نفسي بذكر الله ولكن فشلت وفي كل مرة أقوم بهده العادة الخبيثة أتوب وأبكي وأصلي صلاة التوبة وأفشل مرة ثانية. وحسب ما رجعت حكم هذه العادة في الإسلام عرفت أنها محرمة وعرفت رأيا أخر وهو أن من يقوم بهده العادة تأتي يده مغلولة يوم القيامة. وليس سؤالي عن حكم هذه العادة.
فسؤالي هل العادة السرية من الكبائر؟ وهل من يكررها دائما يكرهه الله وأنا لا أريد أن يكون الله أهون الناظرين إلي ولا أريد أن أقابل الله وأنا مصر على معصية لا ترضي الله عز وجل؟ والمشكلة الأعظم أن جميع أصدقائي يحبونني لتوبتي وأخلاقي ونصحي فهل أنا من المنافقين؟
والسؤال المهم كيف لنا أن نتخلص من هذه العادة؟ مع أنني حاولت ولكني فشلت وما علي فعله في لحظة رغبة نفسي بالقيام بهذه العادة؟ فأرجو أن توجه شابا يحب الله ورسوله ولا يريد أن يكون من العصاة وأوصني بذكر معين أو دعاء أو أي شيء تراه يساعد حالتي بحكم خبرتك. واعلم يا سيدي أن نصيحتك ليست لي فقط بل للعديد من الشباب الدين أقابلهم.
أما السؤال الثاني وهو تابع للسؤال السابق كيف يمكننا أن نزهد في الدنيا زهدا يقربنا لله ولقلوب الناس وليس تشددا يتعبنا؟؟ ولو تفضلت تذكر لي بعض الكتب المبسطة تعلمنا الزهد؟؟
ولك جزيل الشكر ويشهد الله أني أحبك في الله وأسأل الله لي ولك فتح العارفين بالله.. اللهم آمين
واستشارتي هذه بالنسبة لي ليست للاستفتاء بل أريد حلا.]ـ
[الفَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالواجب عليك التوبة فورا من الاستمناء والنظر إلى ما حرم الله من الصور الخليعة ونحوها قبل أن يدهمك الموت فتندم ولا ينفع الندم، والأعمال بالخواتيم.
واعلم أن الشأن في المؤمن الانتهاء عما حرم الله دون النظر هل هو من لكبائر أم لا؟ إذ إن ذلك من تعظيم حرمات الله، قال بعض السلف: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت. ثم إن الإصرار على الصغائر يحولها إلى كبائر، قال بعض السلف: لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار، بل إن المصر على المعصية يخشى عليه من الكفر واستحلال ما حرم الله. قال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {النور: ٦٣} .
وانظر بتوسع في الموضوع كتاب: "الداء والدواء" لابن القيم، فإنه نافع لك جدا.
هذا، وليس هناك ذكر مخصوص أو دعاء معين إذا قلته أقلعت عما تمارسه من محرمات، ولكن ذكر الله عموما مع حضور القلب من أنفع الأدوية، فحافظ على الأذكار الموظفة في جميع الأحوال خاصة أذكار الصباح والمساء والنوم وبعد الصلوات.
وادع الله بذل وإلحاح أن يصرف عنك هذا البلاء، واسأله سبحانه أن يخلصك منه، وأن يشرح صدرك، ويلهمك رشدك، ويكفيك شر نفسك، والتمس في دعائك أوقات الإجابة، واستوف آداب الدعاء، وانظر في ذلك الفتاوى التالية: ١١٥٧١، ٢٣٩٥، ٢٣٥٩٩، ١٧٤٤٩، ٣٢٦٥٥.
واقرأ القرآن بتدبر، وحافظ على وردك منه، واستشف به فإنه شفاء لجميع أمراض القلوب وعللها. قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ {الإسراء: ٨٢} . وانظر الفتوى رقم: ٢٨٣٠٩.
هذا، ونوصيك بأن تفتش عن الشباب الصالح المؤمن فتنخرط فيهم، وتعبد الله معهم، وتتعاون معهم على طلب العلم النافع، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، وليكن طلبك للعلم بصورة منهجية منتظمة.
هذا، وعلم يا أخي الكريم أن من مهيجات الشهوة الفراغ والاختلاء بالنفس مع التفكير، وكذلك النظر المحرم إلى الشاشات، وإطلاق البصر إلى النساء الاجنبيات وغير ذلك. فاقطع ذلك كله لله، فإذا هاجت شهوتك في لحظة وحدثتك نفسك بارتكاب تلك العادة الخبيثة فاخرج فورا من البيت وتوجه إلى المسجد، أو زر أحد الشباب الصالحين، أو اقرأ القرآن بصوت مرتفع أو اغتسل بماء بارد أو توضأ، أو حتى اتصل بالهاتف بأحد الصالحين، فإن فعلت ذلك مع ذكرك لله فسيزول أثر الشهوة بإذن الله. هذا، ونوصيك بالإكثار من الصيام، فإن له أثرا في كسر حدة الشهوة وفي تهذيب النفوس، واجتهد في طلب الزواج فعسى الله الكريم أن يعفك به.
وأما الزهد في الدنيا فيكون بأن تخرجها من قلبك فتجعلها في يديك، وإن مما يعينك على ذلك ثلاثة أمور:
١- الاطلاع على حقيقة الدنيا وحقارتها، وأنها لم تصف لأحد ولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأمل وصف الله لها في القرآن.
٢- زيارة القبور والتفكر في أحوال أهلها، لا سيما من ملك منهم الدنيا ثم ماذا؟ ثم تركها إلى هذا المكان الضيق بلا أنيس ولا جليس.
٣- قراءة سير الصالحين من العلماء الزهاد والعباد، ومن ذلك صفة الصفوة لابن الجوزي وسير الأعلام والنبلاء للإمام الذهبي.
وأما الكتب التي تحث على الزهد في الدنيا فكثيرة، ومنها الزهد للإمام أحمد بن حنبل والزهد والرقائق للإمام عبد الله بن المبارك وانظر كتاب الرقاق من صحيح البخاري وكتاب الزهد والرقائق من صحيح مسلم، وانظر كذلك كتاب "مختصر منهاج القاصدين" خاصة ربع المهلكات وربع المنجيات، ومن كتب المعاصرين النافعة في هذا الباب كذلك كتاب "البحر الرائق في الزهد والرقائق" للشيخ أحمد فريد.
والله أعلم.
[تَارِيخُ الْفَتْوَى]
٢٧ محرم ١٤٢٦