= التي هي الدين، وأما قول الله عز وجل: (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) فليس مخالفاً لما ذكرناه، لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الآية: إنكم إذا فعلتم ما كلفتم به، فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، وإذا كان كذلك، فمما كُلف به الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب، فلا عتب بعد ذلك على الفاعل، لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول. ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، وقال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه، فإنما يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر. ثم إنه إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وما ينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنى والخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل لك للعلماء. ثم العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه، فلا إنكار فيه، لأن على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم، وعلى المذهب الآخر: المصيبُ واحد، والمخطىء غير متعين لنا، والإثم مرفوع عنه.