هي عقوباتٌ، وتَلْزَمُ على حسب مراتب من فعل الشيء الَّذِي وجب من أجله الحدّ، وذلك كحدّ الزنا، هو على قدر حرمة الزّاني، وكذلك حدّ القاذف، هو على حسب حرمة المقذوف:
(فإن كان حرّاً مسلماً عفيفاً، كان على قاذفه الحدّ.
(وإن كان عبداً مسلماً، عوقب قاذفه ولم يُحَد.
(وإن كان المقذوف حرّاً كافراً، عُزِّرَ قاذفه ولم يحدّ.
فلمَّا كانت الحدود على هذه المراتب، قُتِلَ من سبَّ الأنبياء ﵈؛ لفضلهم على سائر النَّاس.
وقد:«سَبَّ رَجُلٌ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِيقَ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ وَرَحْمَتُهُ، فَأَرَادَ أَبُو بَرْزَةَ قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ لَهُ: «أَكُنْتَ تَفْعَلُ»، قَالَ:«نَعَمْ»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «إِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ» (١)، فدلَّ هذا على أنَّ من سبَّ الأنبياء ﵈ قُتِل؛ لأنَّ سبه لهم أعظم جرماً من الزِّنا والقتل وأشباه ذلك، إذ هم أعظم حرمةً من انتهاك حرم هذه الأشياء.
ولا فرق بين أن يكون من سبَّ الأنبياء ﵈ مسلماً أو كافراً في أَنَّهُ يقتل؛ لأنَّ ذلك حدّه، كما لا فرق في ذلك في وجوب القَوَدِ عليه إذا كان المقتول مسلماً.
ووجه قوله:«إنَّ الكافر إذا أسلم سقط عنه القتل»؛ فلأنَّ سبَّ الأنبياء ليس
(١) أخرجه أبو داود [٥/ ٦٧]، والنسائي في الكبرى [٣/ ٤٤٦]، وهو في التحفة [٥/ ٣٠٥].