للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث / الرقم المسلسل:

أن وكيعًا رحمه الله قال ذلك أو شكك في سماع أبي حنيفة من عطاء، لكن تقدم معنا أن وكيعًا روى عن أبي حنيفة وأثنى عليه، وأن المصادر جميعًا اتفقت على سماع أبي جنيفة من عطاء بن أبي رباح، ومعظم المصادر تقول (١): إن عطاء توفي سنة أربع عشرة ومائة ومنها من يقول أكثر، والمعروف أن أبا حنيفة أقام بمكة كثيرًا وحج كثيرًا وعطاء مكي وكان مفتي مكة ومفتي الحجيج الرسمي، فأي حاج في تلك السنوات يستطيع أن يسمع عطاء دون مشقة، فأي مانع من سماعه؟ وما الدليل على عدمه؟ .

قال الخطيب:

"أخبرنا البرقاني أخبرنا أبو بكر الحبابي الخوارزمي -بها- قال سمعت أبا محمّد عبد الله بن أبي القاضي يقول سمعت محمّد بن حماد يقول: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت: يا رسول الله ما تقول في النظر في كلام أبي حنيفة وأصحابه! ! ! انظر فيها وأعمل عليها؟ قال: لا. لا. لا.-ثلاث مرات- قلت: فما تقول في النظر في حديثك وحديث أصحابك انظر فيها وأعمل عليها؟ قال: نعم. نعم. نعم. -ثلاث مرات- ثم قلت: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به فعلمني دعاء وقاله لي ثلاث مرات فلما استيقظت نسيته" (٢).

وهذه رواية يصل بها الخطيب إلى ذروة أدلته في تجريح أبي حنيفة ورفض مذهبه فقد استدل بنص قاطع على النهي عن تقليد مذهب أبي حنيفة والعمل بمذهبه، وهذا كلام مرفوض مردود لعدة وجوه:

أولًا: من ناحية إسناده فيه مجاهيل البرقاني شيخ الخطيب وعبد الله ابن أبي القاضي، وأما محمد بن حماد فإن كان الحافظ فالسند إليه غير صحيح وإن كان غيره فضعيف لأن هناك عشرة لهم هذا الاسم كلهم ضعاف ما عدا الرازي ومهما يكن من أمر فالسند غير صحيح.

ثانيًا: من ناحية المتن فهذا كلام متناقض لا يقوله رجل يخاف الله ولا يتفوه به عاقل، إذ كيف يحفظ المتحدث لا من النبي - صلى الله عليه وسلم - كم مرة، وينسى دعاء علمه إياه الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات! ! !

أليس هذا دليلًا على التناقض والغفلة؟ ؟ ومثل هذا لا يؤبه بكلامه.

ثم كيف ينهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن العمل بمذهب أبي حنيفة وقد انتشر في الآفاق وأصبح مذهب الدولة الرسمي حيث إن أبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة الذين شملتهم الرؤيا وشملهم المنع، وأبو يوسف آنذاك قاضي القضاة يحكم ويفتي بمذهب أبي حنيفة وآرائه. وقد ظل قاضي القضاة زمنًا، وقضاته معظمهم من أصحاب أبي حنيفة وأتباعه. وجمهور الأمة يعمل بمذهبهم ويحتكم إليه، ثم كيف يكون هذا والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا تجتمع أمتي على ضلالة وجمهور الأمة يعمل برأي أبي حنيفة الذي يزعم الرائي -والله أعلم من يكون- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه نهيًا أكيدًا عن اتباعه والعمل به؟ ؟ .

أليست رائحة التعصب الصادرة من هذه الرواية تزكم الأنوف وتثير الدهشة والحيرة، ألم


(١) سير أعلام النبلاء (٥/ ٧٨)، والطبقات الكبرى (٥/ ٤٦٧)، والجرح والتعديل (٦/ ٣٣٠)، وغيرها.
(٢) تاريخ بغداد: (١٣/ ٢٢٥).