للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حتى يطأ البساط ببغلته، ففعل. ولم يزل الأمير يوسّع له في مجلسه، وقال: ما حاجتك؟. قال: إن لي جارا إسكافا أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته، فقال: نعم. وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومنا!!!. فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة والإسكاف يمشي وراءه، فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه، وقال: يا فتى أضعناك؟. فقال: لا، بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيرا عن حرمة الجوار، ورعاية الحق، وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان (١).

وقال ابن المبارك: رأيت أبا حنيفة في طريق مكة، وقد شوي لهم فصيل (٢) سمين، فاشتهوا أن يأكلوه بخلّ، فلم يجدوا شيئا يصبّون فيه الخلّ فتحيّروا، فرأيت أبا حنيفة وقد حفر في الرمل حفرة، وبسط عليها السفرة، وسكب الخل على ذلك الموضع، فأكلوا الشواء بخلّ، فقالوا تحسن كل شيء، فقال: عليكم بالشكر، فإنّ هذا شيء ألهمته لكم فضلا من الله عليكم (٣).

وقال ابن المبارك: قلت لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، ما سمعته يغتاب عدوا له قط!. فقال: والله هو أعقل من أن يسلّط على حسناته ما يذهبها.

وقال أبو يوسف: دعا أبو جعفر المنصور أبا حنيفة فقال الربيع حاجب المنصور، وكان يعادي أبا حنيفة -: يا أمير المؤمنين، هذا أبو حنيفة يخالف جدك، كان عبد الله بن عباس إذا حلف على اليمين ثم استثنى بعد ذلك بيوم أو بيومين جاز الاستثناء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستثناء إلا متّصلا باليمين.


(١) المرجع السابق ١٣/ ٣٦٠.
(٢) الفصيل من أولاد الإبل، فعيل بمعنى مفعول. وأكثر ما يطلق في الإبل. وقد يقال في البقر. وهو ما فصل عن اللبن من أولاد البقر. ومنه حديث أصحاب الغار" فاشتريت به فصيلا من البقر "وفي رواية" فصيلة "وهو ما فصل عن اللّبن من أولاد البقر. قاله في النهاية.
(٣) تاريخ بغداد: ١٣/ ٣٦٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>