ولا يقابلنا طوال القرنين السّابع عشر والثّامن عشر من ألّف في موضوع الخطط حتى إذا وصلنا إلى نهاية القرن الثامن عشر ووصول الحملة الفرنسية إلى مصر نجد علماء الحملة يؤلّفون كتابهم الضّخم «وصف مصر» La Description de I'Egypte الذي يعدّ أهم كتاب في تاريخ مصر في نهاية العصر الحديث. وقد وضع اثنان من علماء الحملة قسمين هامّين من الكتاب:«وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل» لإدم فرانسوا جومار (١) Edme Francois Jomard و «مذكرات عن جزيرة الرّوضة والمقياس» لمارسيل. J.Marcel
ويمثّل وصف القاهرة وقلعة الجبل لجومار تطوّرا هامّا في تاريخ كتابة الخطط المصرية فهو في هذه المرّة وصف لمشاهدة أجنبي زار المدينة وزوّد بجميع الإمكانات التي تتيح له تقديم وصف دقيق للمدينة ورفع لأهمّ معالمها الأثرية ورسم تصويري لهذه المعالم.
والميزة الأساسية لوصف جومار والتي تجعل منه مؤلّفا متميّزا في سلسلة الكتب المتعلّقة بتاريخ الخطط المصرية أنّه تسجيل ووصف لحالة مدينة القاهرة ولقلعة الجبل في سنوات بأعيانها هي الثّلاث سنوات التي أمضتها الحملة الفرنسية في مصر، بل بالتحديد وصف لحالة هذه المدينة خلال شهرين يبدءان من يوم ١٠ ديسمبر سنة ١٧٩٩ وينتهيان في أواسط فبراير سنة ١٨٠٠ م، وهي الفترة التي قام فيها جومار بجولته في القاهرة لتسجيل معالم المدينة على الخريطة التي وضعها المهندسون الجغرافيون المصاحبون للحملة، بالإضافة إلى الرّفع الهندسي لهذه المعالم والرّسم التّصويري لها.
وعلى ذلك فإنّه لأوّل مرّة تصحب الوصف الطّبوغرافي لمدينة القاهرة خريطة تفصيلية - هي الأولى من نوعها - مثبت عليها حدود المدينة وشوارعها الرئيسة والجانبية وأهمّ معالمها نحو سنة ١٨٠٠ م مع شرح لما جاء على هذه الخريطة.
وترجع أهميّة هذه الخريطة كذلك إلى أن تغييرا كبيرا كان قد طرأ على شكل مدينة القاهرة وعلى مقرّ الحكم في القلعة منذ وصف المقريزي في القرن التاسع/ الخامس عشر، كما أنّ تغييرا آخر تعرضّت له المدينة ومقرّ الحكم بعد وصف جومار في نهاية القرن الثامن عشر حيث خرّب الفرنسيون وأزالوا الكثير من المواضع التي ورد ذكرها في وصف الحملة نفسه، ثم على يد محمّد عليّ باشا وأبنائه، وخاصّة إسماعيل، حيث فتحت طرق كثيرة أدّت إلى زوال العديد من نقاط
(١) نقلته إلى العربية بعنوان «وصف مدينة القاهرة وقلعة الجبل» مع مقدمة عن التطور العمراني لمدينة القاهرة حتى سنة ١٨٠٠ م، القاهرة - مكتبة الخانجي ١٩٨٨.