مناقشة الدليل الأولك لا يصحُّ إلحاقُ أقوالِ إمامِ المذهبِ بأقوالِ النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هناك فرقٌ بينهما، وإذا كان ثمّةَ فرقٌ لم يصحّ القياسُ، وبيانُ الفرقِ: أنَّ الشرعَ أَذِنَ في الاجتهادِ في أقوالِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذا جازَ الترجيحُ بينها إذا تعارضتْ، ومِنْ أينَ لكم أنَّ إمامَ المذهبِ قد أَذِنَ في الاجتهادِ في أقوالِه إذا تعارضتْ؟ ! (١).
الجواب عن المناقشة: إذا بيَّنَ إمامُ المذهبِ أصولَه وقواعدَه، فإنَّ في هذا إذنًا في التفريعِ عليها، إذ الإمام ألزمَ نفسَه بما تقتضيه هذه الأصولُ والقواعدُ (٢)، والظاهرُ مِنْ حالِه أنَّه يَطْرُدُها في جميعِ المسائلِ (٣).
الدليل الثاني: إذا تعارضتْ أقوالُ إمامِ المذهبِ في المسألةِ الواحدةِ، ولم يُعْلَم المتقدِّم منها، فإنَّنا نرجّحُ القولَ الأشبهَ بَأصولِ الإمامِ؛ لاقترانِه بدليل مِنْ مذهبِ الإمامِ نفسِه - وهو موافقة أصل مِنْ أصولِه - فكان هو المرجَّح منها (٤).
أدلةُ أصحابِ القول الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها:
الدليل الأول: ليس تقديمُ أحدِ قولي إمامِ المذهبِ أولى مِنْ تقديمِ القولِ الآخر؛ ولا يسوغُ إهمالُ كلا القولين، فقلنا بإثباتِهما - وجعلنا الحُكْمَ مختلفًا فيه عنده (٦) - إلى أنْ يَتَبَّينَ لنا أيُّ القولين هو المتأخر؟ فنأخذ به.