للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فعلناه من خلاص فراخه، ولم نعرف ما هو ذلك الحبّ، فاستدعى الحكماء وأراهم إياه، فقال له حكيم منهم: ينبغي أن يودع بطن الأرض لينظر ما يكون منه، فأحضر الأكرة وأمرهم بزرعه، فزرعوه والملك يراعيه، حتى طلع وأزهر، وحصرم وأعنب، وهم لا يقربونه خشية أن يكون مُتْلِفًا، فأمر الملك أن يعصر ويودع الآنية، وأخرج الحب منه وترك بعضه على حاله، فلما صار في الآنية غلا (١) وقذف بالزبد، وفاحت له روائح عبقة فقال الملك علي بشيخ كبير فان، فأتي فسقاه من ذلك العصير، فلما شرب منه ثلاثًا صال وتكلّم، وصفّق بيديه، وحرّك رأسه، ووقع برجليه على الأرض، وظهر عليه الطرب والفرح، وتغنّى، فقال الملك: هذا شراب مذهب للعقل، وأخلق به أن يكون قتالًا، ألا ترون إلى هذا الشيخ كيف عاد إلى حال الصبا وقوّة الشباب، ثم أمر الملك بالشيخ فرقد وسكر ونام، فقال الملك، هلك، ثم أنه أفاق وطلب الزيادة من الشراب، وقال: لقد شربته فكشف عني الهموم والغموم، وأزال (٢) عني الأحزان، فقال الملك: هذا أشرف شراب للرجل (٣)، فكثر من غرس الكروم، واختص به دون غيره واستعمله بقية أيامه، ثم انتشر في الأرض. قلت (٤): والذي يحكى أن العنب كان مما زرعه آدم حين أهبط إلى الأرض، وإنما استخرج الخمر في زمان نوح . وبين هذين القولين بون كثير والله أعلم أيهما كان.

ذكر أخبار الملوك الكلدانيين (٥)

وهم ملوك النبط وملوك بابل، وذهب أهل العناية بأخبار ملوك العالم أنهم ملوك العالم الذين مهدوا الأرض بالعمارة وأنَّ الفرس الأول إنما أخذت الملك منهم. كما أَخَذَتْ الروم من اليونان، وكان أول من ملك منهم:

نمرود الجبار (٦)، وقد تقدم ذكره في أخبار إبراهيم الخليل (٧) وذكرناه في ضمن أخبار ملوك الفرس. وإن يكن نمرود أول ملوكها وإلا فليس هو الذي ولد إبراهيم في زمانه قطعًا؛ لأن الفرس إنما ملكت بعد ملوك


(١) في المروج: هدر.
(٢) الأصل: وانزال والتصويب عن النهاية.
(٣) في المروج: أهل الأرض.
(٤) القول للمؤلف.
(٥) نهاية الأرب ١٥/ ٢٥٨ نقلًا عن مروج الذهب للمسعودي. وانظر في مروج الذهب ١/ ١٦٣، والتنبيه والإشراف ص ٦٨، واليعقوبي ١/ ٦٨، وابن العبري في تاريخ ملوك سني الأرض ص ٧٢.
(٦) نمرود بن كوش، هكذا سماه ابن العبري، وقال: إنه أول النماردة الجبابرة.
(٧) ما بعده من كلام المؤلف.

<<  <  ج: ص:  >  >>