واجتهد في العبادة حتى نَحَلَ جِسْمُهُ، وكان عيسى ابن مريم قد حرم نكاح بنت الأخ، وكان لهرذوس الحاكم على بني إسرائيل بنت أخ وأراد أن يتزوجها حسبما هو جائز في دين اليهودية، فنهاه يحيى عن ذلك، فطلبت أم البنت من هر ذوس أن يقتل يحيى، فلم يُجبها، فعاودته، وسألته البنت ايضًا، وألحتا عليه، فأجابهما إلى ذلك، وأمر بيحيى فذبح لديهما، وكان قتل يحيى قبل رفع المسيح بمدة يسيرة؛ لأن عيسى إنما ابتدأ بالدعوة لما صار له من العمر ثلاثون سنة، فأمره الله تعالى أن يدعو الناس إلى دين النصرانية/ ٢٨/ فأخذه يحيى فغمسه في نهر الأردن وخرج فابتدأ بالدعوة، ومكث المسيح بعد ذلك ثلاث سنين، وذبح يحيى كان بعد مضي ثلاثين سنة من عمر عيسى، وقبل رفعه، وكان رفع عيسى بعد نبوّته بثلاث سنين، والنصارى تسمي يحيى المذكور يُحنا المعمدان لكونه عمد المسيح كما ذكر.
ذكر عيسى ابن مريم ﵇(١)
أما مريم، فاسم أمها حنة زوج عمران، وكانت حنّة لا تلد، واشتهت الولد، فَدَعَتْ بذلك، ونَذَرَتْ إِنْ رزقها الله ولدًا جعلته من سدنة بيت المقدس. فحملت حنة وهلك زوجها عمران وهي حامل، فولدت بنتًا وسمتها مريم، ومعنى مريم العابدة، ثم حَمَلَتْها وأتت بها إلى المسجد وَوَضَعْتها عند الأحبار وقالت دونكم هذه المنذورة، فتنافسوا فيها؛ لأنها بنت عمران، وكان من أئمتهم، فقال زكريا: أنا أحق بها؛ لأن خالتها زوجتي وأخذها زكريا، وضمها إلى إيساع خالتها، فلما كَبُرَتْ مريم أفرد لها زكريا غرفة حسبما تقدم ذكره. وأرسل الله جبريل فنفخ في جيب مريم فحبلت بعيسى وولدته ببيت لحم سنة أربع وثلثمائة لغلبة الاسكندر، ولما جاءت مريم بعيسى تحمله قال لها قومها: لقد جئت شيئًا فريًا. وأخذوا الحجارة ليرجموها، فتكلّم عيسى في المهد وهو متعلّق في منكبها، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ الآية (٢). فلما سمعوا كلام ابنها تركوها، ثم إنَّ مريم أخذت عيسى وسارت به إلى مصر، وسار معها ابن عمها يوسف بن يعقوب بن ماتان، وكان يوسف المذكور نجارًا حكيمًا، ويزعم بعضهم أن يوسف المذكور تزوّج مريم ولكنّه لم يَقْرَبها، وهو أوّل من أنكر حَمْلها، ثم علم وتحقق براءتها، وسار معها إلى مصر وأقاما هناك اثنتي عشرة سنة (٣)، ثم عاد عيسى وأمه إلى الشام ونزلا الناصرة، وبها سميت النصارى، وأقام
(١) المختصر ١/ ٣٤. (٢) بدلها في المختصر: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾. (٣) في تاريخ مختصر الدول ص ١١١ (هرب يوسف مع مريم والمولود إلى مصر ولبثوا بها سنتين).