عيسى حتَّى بلَغَ ثلاثينَ سنَة، فأوحى الله تعالى إليه وأرسله إلى النَّاس.
قال (١) في كتاب أبي عيسى: ولما صار لعيسى ثلاثون سنة صار إلى الأردن وهو نهر الغور المسمَّى بالشريعة. فاعتمد وابتدأ بالدّعوة، وكان يحيى بن زكريا هو الّذي عَمَّدَهُ، وكان ذلك لستَّة أيَّام خَلَت من كانون الثاني لمضي ثلاث وثلاثين سنة وثلثمائة للإسكندر. وأظهر عيسى ﷺ معجزات، وأحيا ميتًا يقال: له عازر بعد ثلاثة أيام من موته، وجعل من الطين طائرًا. قيل هو الخفَّاش، وأبرأ الأكمه والأبرص، وكان يمشي على الماء، وأنزل الله تعالى عليه المائدة، وأوحى إليه الإنجيل.
قال أبو عيسى في كتابه (٢): وكان عيسى ﵇ يلبس الصوف والشَّعر ويأكل من نبات الأرض، وربّما يأكل من غزل أمِّه، وكان الحواريُّون الّذين اتبعوه اثني عشر رجلًا وهم: شمعون الصّفا وشمعون القناني ويعقوب بن زندى ويعقوب بن حلقى وقولوس ومارقوس وأندرواس وتمريلا ويوحنا ولوقا وتوما ومتى، وهؤلاء هم الّذين سألوه نزول المائدة، فسأل عيسى ربَّه ﷿، فأنزل عليه سفرة حمراء مغطَّاة بمنديل، فيها سمكة مشوية وحولها البقول ما خلا الكُرَّاث، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خلّ ومعها خمسة أرغفة على بعضها زيتون وعلى باقيها رمَّان وتمر، فأكل منها خلق كثير ولم تنقص، ولم يأكل منها ذو عاهة إلاَّ برئ، وكانت تنزل ليلة وتغيب ليلة أربعين ليلة.
قال ابن سعيد (٣): ولما أعلم الله المسيح أنه خارج من الدُّنيا جزع من ذلك فدعا الحواريِّين، وصنع لهم طعامًا، وقال: احضروني الليلة، فإنَّ لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا باللَّيل عشاهم، وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطَّعام أخَذَ يغسل أيديهم ويمسحها بثيابه، فتعاظموا ذلك، فقال: مَنْ ردَّ عليَّ شيئًا ممَّا أصنع فليس منِّي، فتركوه حتَّى فرغ، فقال: إنَّما فعلت هذا ليكون لكم أسوة بي في خدمة بعضكم بعضًا. فأما حاجتي بكم فأن تجتهدوا لي في الدُّعاء أن يؤخّر أجَلَي، فلما أرادوا ذلك ألقى الله عليهم النَّوم حتَّى لم يستطيعوا الدُّعاء، وجعل المسيح يوقظهم ويؤنبهم فلا يزدادون إلاَّ نومًا وتكاسلًا، وعلموا أنَّهم مغلوبون عن ذلك، فقال المسيح: سبحان الله، يذهب بالرَّاعي ويتفرَّق الغنم، ثم قال لهم: الحق أقول لكم ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الدِّيك، ويبيعني أحدكم بدراهم يسيرة ويأكلن ثمني، وكانت اليهود قد جدّت في طلبه،
(١) المختصر ٢/ ٣٥، وفيه: (من كتاب أبي عيسى). (٢) عن المختصر ٣٥٢، وفيه (من كتاب أبي عيسى). (٣) المختصر ١/ ٣٥. وانظر: كامل ابن الأثير ١/ ١٨٢.