وكان ابنه بهرام جور في حجر النعمان بن المنذر بن ماء السماء، فعدل عنه الفرس لكراهيتهم (ركبه)(١) وملكوا عليهم كسرى من عترة ساسان، فاستعان بهرام جور بالعرب، وأرسل يعلم الفرس بإنكاره لسيرة أبيه، ووعدهم بإصلاح ما فسد، وأنه إن مضى لرسنه (٢) ولم يف لهم يبرأ من الملك طائعًا، فمال إليه قوم وبقيت طائفة مع كسرى، فأجمعوا رأيهم أن يضعوا التاج على التخت بين أسدين مشبلين فمن تناوله فهو الملك، وكان بهرام جور شجاعًا بطلًا، فلما وقف هو وكسرى إلى جانب الأسدين هابهما كسرى، فوثب بهرام جور فجازهما ولبس التاج، وصعد التخت وحازهما.
وزعم (٣) الفرس أنه لما وثب ركب ظهر الأسد وعصر جنبيه بفخذيه فلما تمكن منه قبض على أذنيه، ولم يزل يضرب رأس الأسد برأس الآخر حتى قتلهما. وهذا بعيد وقوعه.
وملك بهرام جور بن يزدجرد فأحسن السيرة، وغبر على هذا زمانًا، ثم آثر اللهو (٤)، وكثرت خلواته بأصحاب الملاهي فطمع من حوله من الملوك فيه، وخرج إليه خاقان ملك الترك في مائتين وخمسين ألفًا، فهال الفرس جمعهم، فدخل عليه عظماء دولته ونبهوه، فبقي يجيب القوم بأن يقول: الله ربنا قوي، ونحن أولياؤه، ثم أقبل على ما هو عليه من اللهو والصيد مُدِلًا ببأسه، ثم أظهر أنه يريد أذربيجان ليتنسك في بيت نارها، ويتوجّه منها إلى أرمينية يتصيّد في آجامها، وسار في سبعة من عظماء الفرس أهل البيوتات، وثلثمائة من رابطته ذوي بأس وشدّةٍ، فما شك الناس أنه هرب من خاقان، واهتمت الفرس ثم أرسلت إلى خاقان ببذل الطاعة له وتقرر الأتاوة عليهم، وسمع بذلك خاقان، فاطمأنّ، وسار بهرام جور مُخفًّا، وقارب خاقان ( … ... … )(٥) لا يشعر به وبيته وهجم عليه فقتله بيده، وعلمت الأتراك بذلك فانهزمت، لا يلؤون على شيء، فأكثر بهرام جور فيهم القتل، وأمْعَنَ في طلبهم، وغنم غنائم لم يُسمع بمثلها. وكان مما غنمه تاج خاقان وأكليله، وغلب على بلاد الترك، وعاد بما
(١) كذا في الأصل، وفي تاريخ الطبري ٢/ ٧١: إنهم تعاقدوا إلا يملكوا أحدًا من ذرية يزدجرد لسوء سيرته وفي نهاية الأرب: فعدل الفرس عنه لسوء أثر يزدجرد فيهم وملكوا عليهم كسرى. وانظر كذلك تجارب الأمم ١/ ١٥٨. (٢) كذا في الأصل، وفي نهاية الأرب: وأنه إن مضى لملكه سنة ولم يف. (٣) انظر هذا الزعم في تاريخ الطبري ٢/ ٧٣، ومروج الذهب ١/ ١٩٧، وتجارب الأمم ١/ ١٦١. (٤) كذلك ورد في الأخبار الطوال ص ٥٦، وتاريخ الطبري ٢/ ٧٥. (٥) كلمة غير مفهومة.