أتاكم منهم سبعون ألفًا (١) … يزجون المكاتب (٢) كالجراد
فلم يعبأوا بكتابه، فأتاهم سابور، وظفر بهم، وعمهم بالقتل ولم يفلت منهم إلا نفر لحقوا بأرض دبار (٣) وخَلَعَ سابور أكتاف كثير منهم، فقالوا: ذا الأكتاف، ثم سار سابور إلى الروم، ففتح مدنًا، ثم دخل (٤) متنكرًا إلى القسطنطينية فصادف وليمة لقيصر، فدخل في جملة الناس، وجلس على بعض موائدهم، وكان قيصر قد أمر مصورًا أتى عسكر سابور فرآه وصوّره، وأتى بالصورة إلى قيصر، فأمر بها فصورت على آنية الشراب، فأتى بعض الخدم بكأس ثم جعل ينظر إلى سابور وإلى الصورة التي على الكأس، فرآها تتشاكل، فأعلم قيصرًا بالخبر فأحضره وسأله عن خبره، فقال: أنا من أساورة سابور، وهربت منه لأمر خفته، فقدَّمه إلى السيف، فأقرّ بنفسه، فجعل في جلد بقرة، وسار قيصر في جنوده حتى توسط العراق، وشنّ الغارات، وعقر النخل، وانتهى إلى مدينة سابور (٥) وقد تحصن فيها وجوه فارس، فنزل بها، ثم حضر عيد النصارى فأغفل المتوكلون بسابور أمره، وأخذ منهم الشراب، وكان بالقرب منه أسارى من الفرس، فكلّمهم، فحلّ بعضهم بعضًا، ثم صبّوا عليه زقاق الزيت، فلان عليه الجلد، وتخلّص، وأتى المدينة، فكلّمهم، فرفعوه بالحبال، ففتح خزائن السلاح، وخرج على الروم فكبسهم، فانهزموا، وأتي بقيصر أسيرًا، فأبقى عليه، وضم إليه من أسر من أصحابه، وأخذهم بغرس الزيتون بالعراق بدلًا عما عقروه من النخل، ففعلوا، ولم يكن قبلها بالعراق زيتون. وفي ذلك يقول بعض شعراء الفرس (٦): [من البسيط]
فوكانَ سابورُ صَفْوًا في أرومَتَهَ … أُختير عنها فأضحى خير مُختار (٧)
إذ كان بالروم جاسوسًا يطوف بها … وليس يحفل فيها كيد مكار (٨)
(١) في الشعر والشعراء والمؤتلف والمختلف: أتاكم منهم ستون ألفًا. (٢) كذا في الأصل، وهي تحريف عن (الكتاتب) كما في نهاية الأرب، ومصادر لأبيات أخرى وفي مروج الذهب: يجزون. (٣) أرض واقعة بين الشحر إلى تخوم صنعاء. وانظر (ياقوت - وبار)، وفي مروج الذهب ١/ ١٩٣ (الروم). (٤) نهاية الأرب ١٥/ ٩٧٥. (٥) في نهاية الأرب: نيسابور وفي المروج: جند يسابور. (٦) الأبيات في نهاية الأرب ١٥/ ١٧٦ وهي منسوبة إلى بعض المتقدمين من شعراء أبناء فراس، وفي مروج الذهب ١/ ١٩٦. (٧) في المروج: غير مختار. (٨) في مروج الذهب ونهاية الأرب: يجول به حزم المنية من ذي كيد مكار، وفي نهاية الأرب: حرم المنية من ذي كيد.