للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بيننا وبين هؤلاء، عدوا علينا، ولم يرقبوا إلا ولا ذمة، واستحلوا منا كل حرمة، وأخرجونا من أرض الله الواسعة فألجأوا فلنا الى هذه القاصية الشاسعة، ثم هانحن الآن نساترهم فيها، ونمد لهم خيط باطلهم بالدعاء لهم، أعطي الله عهدًا لئن لم تحوّل الدعوة لهم الى البراءة منهم لانقلبن على وجهي مبادرًا في هذه الأرض العريضة، وقد كان من هوى عبد الرحمن الداخل إلا أنّه آثر الأناة الى أن استضاء برأي ابن عمه، فترك الخطبة لأبي جعفر، وتفرّد بالدعاء لنفسه وذلك بعد سنة من دخوله الأندلس.

ثم شرع في تعظيم قرطبة، فجدّد مغانيها، وشيد مبانيها وحصنها بالسور حتى أشرف بناؤه، وابتنى بها قصر الإمارة والمسجد الجامع وكان سلف المسلمين قد اقتصروا عند افتتاحهم لقرطبة حتى اتخاذهم مسجدهم الجامع فيما خصهم من شطر الكنيسة العظمى بها المعروفة بشنت بحيث كما كان بدمشق، ودام الأمر على هذا التهالك الولاة بالأندلس على الامارة وهواهم في ضلال الشحناء الى أن جمع شتاتهم عبد الرحمن الداخل، وسَمَت نفسُهُ الى ما تسموا إليه أنفس الخلفاء فصالح النصارى على شطرهم بمواضع مما كان أخذه بالعنوة من كنائسهم، وذلك سنة تسع وستين ومائة، ثم لما وسَّعَ فناءه ووسع بناءه تخطى بنظره الى مساجد الكور بالأندلس، ثم ابتنى منية الرصافة متنزّهًا له تشبها بجده هشام واتخذها قصرًا حسنًا ودحا بها جنانًا واسعةً نقل إليها غرائب الغراس، وأكارم الشجر من كل ناحية مما أتت به رسله من الشام، فمثلت أشجارًا معتمةً أثمرت بغرائب الفواكه وعجائب الثمرات، ورأى أوّل ما نزل هذه الرصافة نخلةً فنّةً ذكرته باغترابها غربتة وانثنائها عن أشباهها أحبته، فقال (١):

تَبَدَّتْ لنا وسط الرصافة نخلةٌ … تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل

فقلتُ شبيهي بالتغرّب والنوى … وطول انثنائي عن بني وعن أهلي

نشأت بأرض أنت فيها غريبةٌ … فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي

سقتك غوادي المزن من صوبها الذي … يسح ويستمري السماكين بالوبل


(١) الابيات في كامل ابن الاثير ٥/ ٨٤ ومعجم البلدان - الرصافة.

<<  <  ج: ص:  >  >>