العلماء وأحْضَرَهُ، فتكلّم بكلام أنكى به ابن تاشفين، فأشار عليه مالك بن وهب بسجنه، وقال: هذا لا يجري منه خير على الدولة، فقام للوزير، وقال: هذا أضْعَفُ من أن يُخاف منه، فخلصه الله منه فقال لأصحابه: إنَّ ابن وهب لا يبرح يضرب الامثال فينا لعلي حتى يبدو له رأي آخر. والرأي أن نعتصم بالجبل، فصعدوا إلى درن (١)، وتابعَهُ أصحابه على أنه المهدي المبشر به، وذلك سنة خمس عشرة وخمسمائة، فلما صَعَدَ الجبل رأى زُرْقةً في أبنائهم، فقال (٢): من أين هذه الزرقة الرومية في بنيكم؟ قالوا: علوج ابن تاشفين تأتينا، فتأخذ النساء، وتنهب الأموال، فقبح هذا وأكبَرَهُ، وأمَرَهُم بمنع ما كانوا يؤدونه، وقتل من أتاهم، وظهرت على يَدِهِ خوارق، يقول أولياؤه أنها كرامات، ويقول أعداؤه: أنها مخاريق ميز في أهل الجبل المنافقين، وقال: قد عُرف بهم يعني بكشف، ثم أخَذَ يضرب عنق كل متلو عليه، فيشتد له أمر الجبل، وطفق يغزو بهم بلاد ابن تاشفين، وكانت عليه أوّل مرة، فطيب قلوب أصحابه، وعرفهم أن الكرة لهم.
قلت: وله التصانيف المفيدة النافعة، لمن تعلم الجامعة، في بعضها محاسن مما تقدم، واستفسد بالغرب أُمَمًا بل استصلح، وأستبهم أمره بالكتمان حتى استصبح، ثم حارب لمتونة (٣). واستحوذ على ملكهم بلا مؤنة.
لكنه مات، وما فتح بلدًا شهيرًا، ولا معقلًا منيعًا اتخذه ظهيرا، وكان قد عهد إلى عبد المؤمن (٤) بن علي القيسي، الكومي، وكان أخص أصحابه المعتبر لصحابته، وأقرب مكانهم منه إلى ظلّ سحابته، وكان إذا رآه مقبلًا قال؛ إما له وإما متمثلًا:
(١) درن، جبل من جبال البربر بالمغرب وفيه بلدان وقرى وتسكنه عدة قبائل (ياقوت - درن). (٢) انظر الخبر في كامل ابن الأثير ٨/ ٢٩٦. (٣) قبيلة من قبائل المغرب. (٤) عبد المؤمن بن علي بن مخلوف بن يعلى بن مروان، أبو محمد الكومي، نسبة إلى كومية من قبائل البربر، مؤسس دولة الموحدين في المغرب وتونس، ولد في تاجرت قرب تلمسان وبها نشأ وتعلم، والتقى بابن تومرت الذي جعل له فيما بعد قيادة جيوشه، ولما توفي ابن تومرت خلفه عبد المؤمن سنة ٥٢٤ هـ، ودعي بأمير المؤمنين سنة ٥٢٦ هـ، فقاتل الملثمين وقضى على دولتهم أيام آخر ملوكهم إبراهيم بن تاشفين ودخل مراكش وبايعه أهل الاندلس، وكان حازمًا شجاعًا، محبًا للغزو والفتوح، توفي في بلاط سلا في طريقه إلى الأندلس سنة ٥٥٨ هـ. انظر: كامل ابن الاثير ٨/ ٢٩٨ وابن خلدون ٦/ ٢٢٩ والاستقصا ١/ ١٣٩ والوافي بالوفيات ١٩/ ٢٣٣ ووفيات الأعيان ٣/ ٢٣٧ والعبر ٤/ ١٤٥ وسير أعلام النبلاء ٢٠/ ٣٦٦ والبداية والنهاية ١٢/ ٢٤٦ والنجوم الزاهرة ٥/ ٣٦٣ وجذوة الاقتباس ٢٧٢ ونفح الطيب ١/ ٤٤٢ وشذرات الذهب ٤/ ١٨٣.