أنيس، ولا سمع مرؤس ولا رئيس لما فيها من دقائق التلطف في المراد والتوصل إلى ما في النفس والتهيؤ للاستعداد، بهمة تقتسر المآرب، وتقتدر على المطالب، وكان ابن تومرت واحد زمانه، وفريد عصره حتمًا وحَزْمًا وعَزْمًا وجزمًا وعلمًا وحلمًا وعدلًا، لا يدع ظلمًا ولا جورًا، إلا ما يسمى في عيون الغيد حورا. ويدعى في ريق الغواني ظلما، مع الزهد والورع والمقنع، ولو شاء لما اقتنع والعفاف وما تلبس منه وما ادرع، وكان لا يمل صاحبه ولا يسأمه، ولو تركه مغيرًا لوجه شاحبه.
قال مؤلف الكنوز: كان ربعةً قصفًا (١)، أسمر عظيم الهامة، حديد النظر كثير الإطراق، شجاعًا، عالمًا، مُقْبِلًا على العبادة، لا يصحبه من متاع الدنيا إلا عصا وركوة (٢).
ومن الأشعار لابن العديم، قال: رحل إلى المشرق ولقى الغزالي (٣) وأخذ معه فيما يرومُه، فَصَعَّبَهُ عليه، وقال له: لو كان هذا أمرًا ممكنًا لما سبقت إليه، فلما خرج الغزالي ﵀ لوداعه قال ابن تومرت فيه:[من المتقارب]
أخذت بأعضادهم إذ نأوا … وخلفك القوم إذ ودعوا
فكم أنت تنهى ولا تنتهي … وتُسْمِعُ وعظًا ولا تَسمَعُ
فياحَجَرَ الشحذ حتى متى … تَسُنُ الحديد ولا تقطع
قال: وأقام بمكة مدّة يلاحظ مواطئ أقدام رسول الله ﷺ، ويتمثل طريقته، وينسج على منواله، فأَخَذَ نَفْسَهُ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان قد اطلع على الجفر (٤)، وعلوم أهل البيت، وأتى مراكش فرأى زينب بنت أمير المسلمين علي بن تاشفين (٥)، وحولها جواريها يرفلن في الحلى والحلل، وهنّ حاسرات، فأنكر عليهن، وضربهنّ بعصاه، فلما بَلغَ هذا أباها، عَقَدَ له مجلسًا، وجمع فيه
(١) الربعة: الوسيط القامة، القصف، الأهيف الرشيق. (٢) الركوة وجمعه ركاء، إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء. (٣) الغزالي أبو حامد محمد بن محمد بن محمد، حجة الإسلام المتوفى سنة ٥٠٥ هـ. (٤) الجفر: علم يبحث فيه عن الحروف دلالاتها على أحداث العالم أو ما يسمى بالملاحم. (٥) علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني، أمير المسلمين بمراكش، وثاني ملوك دولة الملثمين، بويع له بعد أبيه سنة ٥٠٠ هـ، وملك بلادًا كثيرة، ظهر في أيامه ابن تومرت فلم يستطع دفع غائلته فمات غمًا بمراكش سنة ٥٣٧ هـ انظر: الاستقصا ١/ ١٢٣ وجذوة الاقتباس ص ٢٩١ والوافي بالوفيات ٢٢/ ٣٤١ والكامل لابن الأثير في مواضع متفرقة من الجزئين ٨ و ٩ ووفيات الأعيان ٥/ ٤٩ و ٧/ ١٢٥ وعيون التواريخ ١٢/ ٣٧٦ وابن خلدون ٦/ ٤٧٤ والنجوم الزاهرة ٥/ ٢٧٥.