وقد ذكر ابن بسام (١) أن المستعين (٢) الأموي لما تمالأ عليه بنو عمه وأمل علي بن حمود ليستجيش به، وجعل له العهد بعده، ثم قال: وولاه طَلَبَ ذَحْلِةِ (٣)، فهيج الحفائظ القرشية، وحرك الطوائل الطالبية، فرماهم يومئذ من علي هذا بثالثة الأثافي (٤)، طوى كشحه منها على مستكنةٍ أرجأها لوقتها.
قلت: فهذا كان سبب تورثه واستشاطة غضب سورته، وبقي تلك المدة، ثم قام أخوه:
[٢١] المأمون أبو محمد القاسم (٥)
وبويع بعد أخيه، وما أقدره العجز عن شدّ أواخيه (٦)، قال الغرناطي: وأمه أم أخيه البيضاء، وكان أسمر أعين، أكحل، مصفر الوجه، خفيف العارضين، قلت: وكان سيفًا مخذمًا، وصلًا أرقمًا، ونسرًا قشعمًا.
مشمرًا عن ساق، مشدّدًا بعزائم لا يحل عليها نطاق، وكان وقورًا حسن السمت يحسن التكلم والصمت، حنكته التجارب، وحركته لبلوغ المآرب، ولتسويغ المشارب.
كان بإشبيلية، فأرسل إليه بعد مقتل أخيه، فجاء فعقد له البيعة يوم الثلاثاء ثاني عشر ذي الحجة سنة ثمان وأربعمائة، فأقام ثلاث سنين وأربعة أشهر وعشرين يومًا. ثم خلفه ابن أخيه يحيى (٧) بن علي بن حمود، وكان سبب خلعه أن يحيى بن
(١) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة قا مج ١ ص ٣٧. (٢) المستعين الأموي: سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، أبو أيوب، ولي لخلافة بالأندلس بعد عمه هشام سنة ٣٩٩ هـ وكان علي بن حمود من جنده، فقتله سنة ٤٠٧ هـ. انظر: البيان المغرب ٣/ ٩١ وابن الأثير ٧/ ٢٨٤. (٣) في الأصل: دخلة. (٤) في الأصل، عبارة غير واضحة والتصويب عن الذخيرة. (٥) القاسم بن حمود الإدريسي، ولي بعد أخيه واستقر بقرطبة، وحسنت سيرته، ثم ثار عليه ابن أخيه يحيى بن علي بمالقة سنة ٤١٢ هـ، فخرج من قرطبة وأقام بأشبيلية واستمال طوائفًا من البربر وهاجم بهم قرطبة سنة ٤١٣ هـ ثم خرج إلى شرمين، فقبض عليه يحيى وسجنه بمالقة إلى أن مات خنقًا سنة ٤٣١ هـ، انظر: كامل ابن الأثير ٧/ ٢٨٦ والوافي ٢٤/ ١٢٢ والبيان المغرب ٣/ ٢٣٠. (٦) الأواخي: جمع آخية، عروة تثبت في أرض أو حائط وتربط فيها الدابة، ويكنى بها عن التمكن. (٧) يحيى بن علي بن حمود العلوي الحسني انظر ترجمته وأخباره في الكامل ٧/ ٢٨٦ والذخيرة ١/ ٢٧١ والبيان المغرب ٣/ ١٣١ وجذوة المقتبس ص ٢٣.