وكانت مدته أربع سنين (١) كأنها يوم واحد لأسف الناس على قصر مدتها وطيبها، وأوقاتها التي كأنما غربت شمس النهار بغروبها، ولم يترك من ورثته أحدًا إلا أخًا صغيرًا (٢) لا ولدًا، فاعتقله نجا الصقلبي، وغلب على مالقة وأعمالها، واستبد بتدبير المملكة، إلى أن شحط بها قتيلا في دمه، ووضع رأسه الشامخ تحت مواطئ قدمه.
حكي أن بعض ندماء المستنصر حضر إليه، واليوم قد طر بالليل شاربه، والأصيل قد كرع في الراح شاربه، والشمس قد اعتلت وما بها سقم لشلوه، والنهار قد قارب وحضر عوّاد النجوم ليبكوه، فدام عنده في جنة تنعم في وطوفها، ومنه تكرم بصنوفها، حتى أَقْبَلَ الليل ثم ذهب، وأطوله كاللمح بالبصر، وأبعده قيد فتر بين العشاء والسحر، فما كان بأسرع من أن أصبح، وطرحت العين لحظها كل مطرح، فلما أراد القيام دعا بالصبوح فسقاه، وفداه بأبويه ووقاه.
فقال: دامت لك الدنيا ودُمْتَ لأهلها، ثم ارتج عليه فقال المستنصر: حتى تجود لهم بما تحويه، فقام النديم، ثم قال: ماذا أقول وهذه نية صدق ظهرت وبارقة بر ستكون لما بعدها.
فقال له: حسبك، لقد أبلغت، ثم أمر له بألف دينار، وحمله على بغلة من مراكبه وصرفه مكرمًا إلى منزله، مكررًا له فضل تطوله.
[٢٦] ذكر دولة أخيه العالي (٣)، أبي يعلى، إدريس بن يحيى بن علي بن حمود
وهو الذي سجنه نجا الصقلبي، وعُصبه من أصل جده النبي، ونسبه الأبوي مشتق منه فعله الأبي، ومحتده الأصيل يعرف بعطائه الذهبي، وكرمه العلوي ينطق به لسان به لسان قراه اللهبي، وأنه يصحح طرف النجم السقيم، ورايته تدمر كل شيء أتت عليه كالريح العقيم، برقه لا يخلف وعدًا ولا وعيدا، وأُفقه يمطر تارة فضةً وذهبًا
(١) في الكامل ٧/ ٢٨٩: وبقي على ذلك نحوًا من سنتين: فقيل إن زوجته ابنة عمه ادريس سمته أسفًا على أخيها يحيى. (٢) هو ادريس بن يحيى كما في كامل ابن الأثير/ ٧/ ٢٨٩، وفيه: فاعتقله الشطيفي وسار نجا من سبتة إلى مالقة وعزم على محو أمر العلويين وأن يضبط البلاد لنفسه، وأظهر البربر على ذلك فعظم عندهم، فقتلوه وقتلوا الشطيفي، وأخرجوا ادريس بن يحيى وبايعوه بالخلافة. (٣) انظر: البيان المغرب ٣/ ١٨، والإحاطة ١/ ٦٩، وجمهرة الأنساب ص ٥١ والكامل لابن الاثير ٧/ ٢٨٩ والوافي بالوفيات ٨/ ٣٢٤.