له البيعة وخطب له بمالقة وأعمالها، وسائر أعمال أبيه، وكان رأيه لا تعلو به قوادم، ولا يقرع سن نادم فنازعه عمه الحسن (١) فحاصره حصارًا ضيق عليه مهب أنفاس الهواء، وضيّع صبره في طول الثواء، فطلب منه الصلح على أنه يتخلع ويبايعه، ويسلم له منبر الخلافة ولا ينازعه، وذلك في جمادي الأولى من السنة المذكورة، وكانت مدة القائم أربعة أشهر إلا أيامًا، ثم بقي يحيى بن إدريس خاملًا لا يرفع له رأس، ولا يجتمع عليه ناس، إلى أن توفي في ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة.
[٢٥] ذكر دولة المستنصر، أبي محمد (٢)، الحسن بن يحيى بن الناصر علي بن حمود
صاحب سبتة، لما وصله التابوت بأخيه ادريس دفنه من ساعته، وأخذ على البيعة أيدي جماعته، ثم ركب البحر في يومه إلى مالقة فملكها وضبطها بعدما انخلع له ابن أخيه يحيى القائم، واستوزر كاتب أخيه أبي جعفر بن أبي موسى بن بقية (وكانت ضغينة)(٣) على أخيه في صدره منه يجدها، ومحنة تقدمت إليه لا يجحدها، فإنه هو كان المقدم لابن أخيه، فأسرها له في نفسه ضغينة حقدها، ونية أقبرها له في باطنه وألْحَدَها، وطاوله بها في السنة الثالثة، ثم قتله، وأنزل به الحادثة، وكان ذلك في يوم عيد الفطر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
فأشام عيده، وشام من بارق المهند وعيده، بعد أن استخرج منه أموالًا، بسط عليه في المطالبة بها أنواع العذاب المهين، وأبرز له فيها كوامن الداء الدفين، ثم بايعه أهل غرناطة وبلاد أخرى في الأندلس، وانقادت له بطاعة قلوبها وعقد نياتها التي بين جنوبها، فثبت المملكة وشدّ أواصِرَها، ورفع قصورها ومقاصرها، ورد كيد عدوّها في نحره، وأغرق راكب ثبج العزاء (٤) في بحره، وعدل في أحوال الرعية، وجبي الأموال وقسمها بالسوية، ثم توفي في جمادى الأول سنة اربع وثلاثين وأربعمائة.
(١) الحسن بن يحيى بن الناصر علي بن حمود، وسيأتي ذكره. (٢) انظر أخباره وترجمته في البيان المغرب ٣/ ١٩٢ وما بعدها، والكامل ٧/ ٢٨٩. (٣) زيادة يقتضيها السياق. (٤) ثبج الشيء وسطه، والعزاء الأرض الصلبة.