للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

رجب سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، فتمت له الأمور وتابعته البلاد فضبطها، وكف عن أطرافها جور الأعداء وشططها، وأحسن تدبيرها، وكان سئوسًا نبيلًا، رئيسًا جليلًا، فَطِنًا بالصواب، لا تخطئ مواقعه، ولا يخلي من صفو المناهل مشارعُه، أذكى قلبًا من السراج، وأشف بصرًا من الزجاج، مُحصنًا للملك، مُسكنًا للفتن، مؤثرًا للخير، مثمرًا للجاني معمرًا للنواحي مصلحًا لأمور الجند، منجحًا لمقاصد الأمل، كانت أيامه هادئةً مطمئنة، لا تنجم في دولته فتنة ولم يزل كذلك إلى أن مات بمالقه ستة أربع وأربعين وأربعمائة (١)، وكانت مُدَّته ست سنين وستة أشهر، وكلُّها محمودة ممدوحة، ممنونة ممنوحة، كأنها أعياد، أو في جفون الزمن الوسنان رقاد، ينهل نداها ساكبًا ويجل قدر دولتها، فلا يمر بها السحاب إلا راحلًا، لا راكبًا.

[٢٨] ذكر دولة الموفّق أبي علي إدريس بن علي بن إدريس بن علي بن حمود

ابن أخي المهدي وكان ندي الندى، يفوت كرمُهُ كلّ سخي، وعيش زمانه كلّ رخي، وعزم ضاربه كل نخي، لا يتأخر جوابه عن المصطرخ، ولا تأفل أهله شهوره الحسان ولا تنتسخ، إلا أن الأقدار لم تُسعده بمطاوعتها (٢)، ولم تبعده من اجتذاب منازعتها، بويع سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ولم يخطب له خطيب ولا هتف باسمه داع في بعيد ولا قريب، وبقي أشهرًا كان زمانه فيها بالطاعة والعصيان مستمرًا، ثم ثار عليه إدريس العالي بن يحيى بن علي بن حمود المخلوع المقدم ذكره، فَخَلَعَهُ وقسره عليه كالليث القسورة، وما خَدَعه وانتزع الملك، ثم عادت دولة العالي وما بقيت إلا أيامًا وليالي، ثم أتاه الموت وأجاب الصوت، فترك منبره، ونزل المقبرة.

ثم كانت:

[٢٩] دولة المُسْتَعْلي (٣): أبي عبد الله محمد بن إدريس المتأيد بن الناصر علي بن حمود

وكان ممن يسود ولا يسود، يتساقط ضعفًا، ويتقدم خلفًا، بويع سنة ست


(١) في الكامل: خمس وأربعين وأربعمائة.
(٢) الأصل: بمطلعها.
(٣) انظر أخبار المستعلي في البيان المغرب ٣/ ١٨، ونفح الطيب ١/ ٢٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>