وبويع له في اليوم الذي قتل به الشطيفي (١)، وذلك أن نجا لما اعتقل هذا العالي واستبد بالأمر، خرج من مالقة في جنوده واستخلف عليها رجلًا من خاصته يُعرف بالشطيفي، وقصد الجزيرة الخضراء ليقبض على محمد والحسن ابني القاسم بن حمود ولم يظفر بهما، فرجع إلى مالقا خائبًا، وقد حان حينه أن يزور ثرى الأرض دفينه فاغتاله ليلًا في خبائه بعض عبيد القاسم بن حمود، فقتله واحتزّ رأسه، ورفعه على عود، وأطيف به تلك البلاد، كأنه هدي يزف، لا يمل بالتشفي رؤيته طرف، ثم أُدْخِل مالقة فثارت العامة على الشطيفي فقتلوه، ونُصبت رؤسهما وعلّقت، وركبتا على خشبتين، وَرَكَبا منها مطيتين بوارك لا تسير بهما، ولا تدني نوي مغتربهما، إلا أنهما من جذوع الرواحل، لا تُطوى بها المراحل، أو قواعد وعمد إلا أنها لَيْسَتْ ممدودة، كأنهما عليها خُشَب مسندة قيدت لهما من مربط النجار. ونيطت بهما لما يجمع بينها وبينهما من قرب النجار، وأخرج إدريس العالي من السجن، وبويع يوم الخميس سادس إحدى شهري جمادى سنة اربع وثلاثين وأربعمائة، ثم بويع بغرناطة وقرمونة وما بينهما من البلاد، وأنارت بالعدل مشارق زمانه، وأنالَتْ من الفضل بوارق إحسانه، ثم أمطرتهم دِيَمُهُ دراكًا، وأرتهم غرَّ الثنايا فما استسقوا بشامًا ولا أراكا.
قال الشريف الغرناطي:
وكان عدلًا خيرًا، لم يزل على أحسن الأحوال إلى إن ثار عليه ابن عمه محمد المهدي، فجرت بينهما حروب كان الظهور فيها لابن عمه، فانخلع له، فسلم له الأمر وذلك في رجب سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وكانت مدته ثلاث سنين وستة أشهر، ومات بعد ذلك بيسير.
[٢٧] ذكر دولة المهدي (٢)، أبي عبد الله، محمد بن ادريس المتأيد
بويع له بمالقة يوم خلع ابن أخيه العالي، وكان نبيه المعالي، وكانت بيعته في
(١) كان ابن بقية مدبر دولة العلويين، وكان الشطيفي نائبه، قتله البربر حين أراد إزالة دولة العلويين، انظر كامل ابن الأثير ٧/ ٢٨٩. (٢) انظر: البيان المغرب ٣/ ٢١٧ و ٢٩٢ والمعجب ص ٦٦ وكامل ابن الأثير/ ٧/ ٢٨٩ وجذوة المقتبس ص ٣٥.