هو ثائر سرغين، وأمه البيضاء القرشية، واسمها حيونة بنت عم أبيه ولد سنة أربع وخمسين وثلثمائة، كان هو وأخوه القاسم من جند سليمان بن الحكم، فنهضا عليه فقتلاه في المحرم سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، وانقطعت الدولة الأموية بالأندلس بمقتله، وخلا وشيجها من مَنْبَتِ أسله، وبويع له يوم تغلبه بالبرابر على قرطبة، وذلك في يوم الجمعة الحادي والعشرين من المحرم سنة سبع وأربعمائة (١)، وقولنا الأول عن صاحب بلغة الظرفاء (٢)، والثاني عن الغرناطي، قال: وتسمّى بالناصر، وتوفّي قتيلا في حمام القصر بقرطبة صبيحة يوم الأحد ثاني ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة (٣)، وهو ابن تسع وأربعين سنة وكانت مدته سنة وإحدى عشر شهرًا غير أيام، وكان أسمر، أعْين، تلفاعة (٤) لا ينظر شيئًا بعينه إلا أسرعت الآفة إليه. انتهى كلامه.
قلت: كان ظلومًا غشومًا سفاكًا للدماء، نهابًا للأموال، منتهكًا للحرمات فاشتد على أهل قرطبة البلاد، فلزموا البيوت، وتغيبوا في المطامير، وتعلّقوا بذوائب الجبال، إلا اليسير، وانبسطت أيدي البربر على الخلق، واتسع الخرق، فأغلقت الحوانيت وانقطعت الطرق والسباريت (٥)، حتى وثبت عليه الصقالبة في الحمام فعجلوا له الحمام، فقتله بأضعف خلقه في وسط داره بأقرب فتيانه، من غير روية ولا تدبير، إلا ما ألْقى الله في نفوسهم. واجتع في قتلِهِ ثلاثة مُرْدٍ من المقربين إليه، كان قد عشق أحدهم، وراوده عن نفسه، فامتنع، ورد عن نفسه ودفع.
فأبى إلا أن يعتلجه، فضربه على دماغه بكوب نحاس، فصرعه، وابتدره الاثنان لبيب وعجيب فوجؤه بخناجرهم، وقطعوه كبادا (٦) نواجرهم، وكف الله عاديته وصرف رائحته وغاديته، وذلك يوم الأحد غرة ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة، وفرّ قتلته ونجوا، وقيل قتلوا.
(١) انظر الكامل لابن الأثير/ ٧/ ٢٨٤ وجذوة المقتبس ص ٢٢. (٢) بلغة الظرفاء في ذكر تواريخ الخلفاء، طبع بمصر سنة ١٣٢٧ هـ وصاحبه علي بن محمد بن أبي السرور الروحي. (٣) انظر: جذوة المقتبس ص ٢٢. (٤) الأعين: الحسن العين، والتلفاعة، المشتمل على الشيء والملتف به كناية على احتجاز الشيء وأخذ مال الآخرين. (٥) السباريت: جمع سبروت، وهي القفار. (٦) كذا في الأصل، ولم أجد لها وجهًا.