للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن الكنوز: إنه إدريسي، قال مؤلفه، هو من بني إدريس بن إدريس.

وقال: وبنو ادريس بن إدريس في السوس (١) عددٌ وخلق.

قلت: ولم أقف على نسبه الموصول، ولا عرفت فرعه اليانع من أي الأصول، وكان ابن تومرت داهية، لا يُعدّ معاوية بن أبي سفيان تربه، ولا مثله المغيرة بن شعبة، ويقصر عنه دهاء عمرو، وسميه ابن العاصي في آخر الأمر، أو قيس به زياد لما زاد، أو أبو جعفر المنصور لخاف على جعفرهِ من مكاثرة الأمداد، وكانت همته لا تحدثه بما دون النجم، وعزمته لا يلين عودها بالعجم، أبْصَر بمقاصدِهِ [من] زرقاء اليمامة، وأجدى على مؤمّلِهِ من أنواء الغمامة، كان قد ساح في الآفاق، ورأى دنسها، وشمر ذيله لما عرف نجسها، فأورد خيْلَهُ المجرة، وصعد أبنية البروج المشمخرة، ونازع النجوم في رتبها، ونَصَلَ سهمًا بشهبها، وافترس الأسد بالأسد، واقتبس جمرة المريخ في سنان ذابله وقد وقد، وكان قد قدم الصعيد في الدولة العبيدية، والرفض ملأ الملا، واعتلى العلى وعمّ الديار المصرية، حتى طبق مفاصلها، وطَرَّق بالبدعة الشنيعة مواصلها، فنزل بمسجد هناك رأى مكتوبًا عليه: لَعَنَ الله الصحابة رضوان الله عليهم، فَنَزَلَهُ وهو من الحنق تغلي مراجلَهُ، وودّ لو قَدْ يُساوِرُ كاتبه ويُعاجِلَهُ، فكتب عليه: [من البسيط]

إِنِّي وفي النفس أشياء مخبأة … لألبسنَّ لها دِرْعًا وجلبابا

حتى أُطهر هذا الدين من نجس … وأوجب الحق للسادات إيجابا

والله لو ظفرت كفّي ببغيتها … ما كنتُ عن ضرب أعناق الورى آبي

ثم قام وهو لا يتهدى، ولا يعرفُ أي بحرٍ يجاوِرُه ويتعدى، ثم أتى مكة وشهد الموسم بمنى، وشاهد ما فيه من الغناء لا الغنى، واتخذ لعبة من الزجاج المذهب وَوَضَعها على جمرة العقبة، وقَعَدَ امامها (٢) وعينه مرتقبة، وبقي كلما مر به مار قال له هذه صورة فاكسرها، فلا يُجيبه، ويقول: لعلّ لهذه صاحبًا إذا كَسَرْتَها طالبني بثمنها، إلى أن مر به مَغْرِبيٌّ من أهل الجبل الذي أوى إليه، فلما قال له ما تأبى أن كسرها وما تأتي، فقال ابن تومرت هؤلاء أُريد لِسُرْعَةِ تلقيهم لما يُقال لهم بالقبول، وترك القائل لهم وما يقول، وقضيته معروفة لم يخلُ منها مجالسة جليس، ولا مؤانسة


(١) السوس: مدن كثيرة وبلاد واسعة في أقصى بلاد المغرب، انظر: الروض المعطار ص ٣٢٩ والاستبصار ص ٢١١.
(٢) في الأصل: أيامها.

<<  <  ج: ص:  >  >>