فاستخفّهُ الطيش وتسمّى بأمير المؤمنين، وما هو من قريش، وتداول بنو عبد المؤمن ملكًا سموه الخلافة، وعظم شأنهم،، ملكوا من حدود مصر إلى البحر المحيط في نهاية المغرب، وجزيرة الأندلس، وإنما أجْهَدَ ابن تومرت نفسه، وركب الأخطار حتى سبّب لهم هذا الملك العتيد، ونظم لهم هذا المسلك الفريد، أذاعوا عنهم تلك السمعة التي أحْوَجَتْ السلطان صلاح الدين ﵀ إلى أنه كاتبهم، وراود كاتبه الفاضل (١) بأن يخاطب قائمهم إذ ذاك بإمرة المؤمنين فيأبى عليه، وامتنع وقال: مثل هذا ما وقع ولا يقع، وقال: متى كتبنا لهم بهذا حتى قُرئ الكتاب على منبر من منابر الغرب جعلونا لهم خالعين، ولهم لا لبني العباس طائعين، واقتصر على أنه كتب نسخة إلا موضع هذه الكلمة، وخاطبهم، وما أطلق ولا أخطأ، ثم توسل إلى صلاح الدين بأن لا يكون الكتاب بخطه، وقال له: والخادم يستجير هو وذريته بالمولى من هذا. وكان مضمون الكتاب الاستنجاد بابن عبد المؤمن، وطلب الإمداد على الفرنج بما يمكن ثم جُهّز على يد ابن منقذ (٢) فما كان بمنقذ، فاستصرخ به وما هو بمصرخه، ولا بواضع وزر همه ولا مفرخه.
وأن كان هذا ما هو موضع ذكر بني عبد المؤمن، وإنما ذكر ابن تومرت اقتضاه، وهو الذي سلّمهم (٣) السيف وانتضاه.
فهذه مشاهير دول بني الحسن بن علي ﵉، سوى من تقدم ذكره فيما يقدم من ذكر ولد الحسن أو من لا يُؤبه إليه، ولا امتد لملكه رسن، وأمراء مكة وهم أمراء لا خلفاء ولا ملوك، وما لذكرهم في هذه الطريق سلوك، وسيأتي في ذكر مملكة مصر والشام من التلميح بحديثهم بما فيه مَقْنَع، ولمن أمال إليه صَفْوَهُ مسمع.
(١) القاضي الفاضل، عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن الحسن اللخمي، البيساني، صاحب ديوان الإنشاء ووزير الناصر صلاح الدين الأيوبي، الكاتب المترسل المشهور المتوفى سنة ٥٩٦ هـ، واخباره كثيرة، انظر: خريدة القصر قسم مصر ١/ ٣٥ ووفيات الاعيان ٣/ ١٥٨ والوافي بالوفيات ٨/ ٣٣٥ والعبر ٤/ ٢٩٣ والبداية والنهاية ١٣/ ٢٤ والنجوم الزاهرة ٦/ ١٥٦. (٢) أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ مؤيد الدولة أبو المظفر، صاحب حصن شيزر الأمير الأديب الشاعر، المتوفى سنة ٥٨٨ هـ، وأخباره كثيرة في كتب الأعلام والتاريخ، انظر: الخريدة: قسم الشام ١/ ٤٩٨ ووفيات الأعيان ١/ ١٧٥ والوافي ٨/ ٣٧٨. (٣) كذا في الأصل، ولعلّها سَلَّ لهم.