يخلق له سلاح شديد مثل السباع وغيرها؛ لأنه في رعاية الإنسان، فالإنسان يدفع عنه عدوه بخلاف السباع، ولأنّ حاجة الإنسان إليه ماسة، فلو كان له سلاح شديد لصعب ضبطه والبقر الأجم والعجاجيل تستعمل موضع القرن عند الحاجة لمعنى خلق في طبيعتها، ولم يخلق للبقر الثنايا العليا، فيقلع الحشيش بالسفلى، ولو لم يحفظ لم ينفع كثيرًا؛ لأنه كثير النزوان فيهرم سريعًا، وإذا هاج لا يرجع ولو بضرب السيف، وزعموا أنّ البقرة إذا هاجت أو مرضت يُركَّبُ في قرنها شيء من العاج فتبرأ، وقيل: إنها إذا ذهبت مناخرها أصابها الصرع، وإذا دهن قرنه لم يخر (١) البتة، وللبقر مشية حسنة [مليحة بتبختر].
قال ابن البيطار (٢): لحمها غذاؤه ليس بيسير ولا بسريع التحلل؛ إلا أن الدم المتولد منه أغلظ من المقدار الذي يحتاج إليه، وإن كان الذي يأكله صاحب مزاج مائل إلى السوداء بالطبع؛ إذ هو أكثر منه؛ أعني بالأمراض الحادثة عن السوداء كالسرطان والجذام والعلة التي يتقشر معها الجلد وحمّى الربع والوسواس، وليس لحم أقوى، ولا أطيب من لحم البقر، وإنما يضر من لم يقو على هضمه، وإذا انهضم غذى غذاء كثيرًا قويًا غليظًا وأجوده ما أجيد، وأحسن طبخه؛ ليسرع هضمه. ويتولد من لحم البقر دم غليظ وليس بلزج، وهو أصلح لمن يديم الكد والتعب، ولا تصلح إدامته لغيرهم، وإن أدامه من ليس بموافق له، أورثه غلظ الطحال والدوالي والسرطان والاستسقاء، وينبغي أن يدفع هذا المضار بتعاهد إسهال السوداء؛ ولا يتعرض لإدرار البول؛ ويجتنب الشراب الغليظ الأسود؛ ويشرب الرقيق المائي في حال النهاية؛ والرقيق الأصفر في وقت سكون بدنه؛ والخل الثقيف.
وقد ينتفع المحرورون وأصحاب الأكباد الحارة بالسكباج المتخذ من لحم البقر؛ ولا سيما مرقه المبرد المصفّى عن دسمه المسمى الهلام، فإن هذا المرق يبلغ إلى أن يذهب باليرقان إذا تأدّم به مع الخيار ويجتنى منه، فأما المبرودون فيصلحون البقرية بعد التهرئة بالخل والعسل والثوم والسَّذَّاب والكاسم والجرجير، ويأكلون بعدها الخردل، ويقلوا شرب الماء عليها حتى يخف البطن، ثم ليشربوا عليه أقوى الشراب وسكباجه يمنع سيلان المواد إلى المعدة والأمعاء ويمنع الإسهال المراري ويقطعه؛ وكذلك قريض لحمه بالكزبرة والخل والحموضات والكزبرة اليابسة وقليل زعفران، وإذا جعل مع لحم البقر قشر البطيخ هرأه في الطبخ، ولم يطل لبثه في المعدة.