للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ (١) وخلق لها القرون لتتدراك تقصير الحافر، وجعل بدل الحافر ظلفًا، فلذلك لا يكون القرن إلا لذي ظلف إلا الكركدن، فإنّه جمع بين الحافر والقرن، وإنّما خُلِقت قرونها من رؤوسها؛ لأنّ غير الرأس إما متأخر عن الحاسة فلا ينظر ما يليها حتى تنطحه أو مشغول بشغل آخر كاليدين. وإما ممنوعة عن ذلك كالكتفين، وربما صرفت المادة من جهة أقل فائدة إلى جهة أكثر فائدة كرك الفك الأعلى من البقر بلا سِنٌ، وصرف مادتها إلى القرن؛ لأن السلاح أنفع للبقر من سنّ الفك الأعلى، والقوة المدبرة تؤيد الحيوان إما بسلاح أو جثة أو آلة هرب، ومتى فقدت مادة، دبرت مادة أخرى حتى يكمل له ما يحتاج إليه في بقاء شخصه ونوعه، كما قدر الله تعالى، ثم إنَّ نوع الغنم لما كان مأكله الحشيش، اقتضت الحكمة الإلهية لها أفواهًا واسعة وأسنانًا حِدادًا وأضراسًا صلابًا تطحن بها الصلب من الحب والقشر والنوى، ولما افتقرت إلى زيادة قوة لتتمكن من الفعل المطلوب منها، خلق لها كرشًا لتحمل فيه من العلف شيئًا كثيرًا يفي بغذائها، فإذا اكتفت رجعت إلى أماكنها؛ وتجعلها بالاحتراز مهيأة لتنضج الحرارة الغريزية، ويتمكن من تمييز لطيفها من كثيفها.

ومن العجب القوة التي خلقها الله تعالى في أضراسها؛ فإنها في العمل بالليل والنهار، ولا تفتر إلا قليلًا، فلو كانت من الحديد الذكر لأنسحقت وتفتت، ثم الحرارة التي خصها الله تعالى بها، فإنها تجعل التبن اليابس دمًا ولحمًا، فسبحانه ما أعظم شأنه وأوضح برهانه. وهذا أوان الشروع في ذكرها.!

[٦ - إبل]

من الحيوانات العجيبة، لكن عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم إياها (٢).

وهو أنه حيوان عظيم الجسم شديد الانقياد، ينهض بالحمل الثقيل ويبرك به، ويمسك بزمامه فأرة تؤديه حيث شاءت، ويتخذ الإنسان على ظهره شبه بيت، يقعد مع مأكوله ومشروبه وملبوسه بطروفها والوسادة والنمرقة واللحاف كما في بيته، ويتخذ للبيت سقفًا كأنه في داره؛ وهو يمشي به واخدًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (٣)، وربما يصبر عن الماء عشرة أيام، ويصبر عن العلف ثلاثة أيام، وإنّما طولت رقبته؛ لتكون مناسبة لقوائمه عند الرعي قائمًا؛ ليستعين بها بمد النفس عند النهوض، وليبلغ مشفره سائر جسده فيحكه.


(١) سورة يس: الآية ٧١ - ٧٢.
(٢) العجائب ٢/ ١٩٨.
(٣) سورة الغاشية: الآية ١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>