ميدانها وتتبارى في رهانها، وتقابل كل صاحب سنان بلسانها، وتقابل الجموع بإصابة أذهانها، إذ غلب العرب رومي، وطلع من جانب الدربند كمي، يصول بجنان جرى وأنف حمي. فتحوا له الباب فدخل، ومنحوا فهمه اللباب فما أخل، وقلدوه الزعامة فرفه خواطرهم وأرهف كلامه يئسوا من لحاقه فألقوا أقلامهم، وضلوا السبيل فقدموه أمامهم، جاء بعد غلبة الروم في الآثار، فأخذ لهم الثار من ثار، وقام بنصرة قومه، ونضرة يومه، واسحب ما كانوا له يدأبون، واستنجز ميعاد قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ (١) فما رأى ذو نصر مثله أعجميًا فصيحًا، وروميًا برز في زي فرسان الكلام بطلًا مشيحًا. طاول هرقل ببيوته المشيدة، وقسر قيصر فعطل مقاصده وحلى قصيده، إلا أنه مع عراقة نسبه في الروم لم يلبس من الديباج القسطنطيني إلا ما خلع على معاطف نظمه، ولا ألم من المدام إلا بما ظهر في لطائف فهمه. وأهل الغرب تقدمه على الشعراء، وتكرمه بلا مراء، وهو خليق بهذا، حقيق به مضي دهره على ذا، إلا أنه كان هجاء لسانه خصم، وإحسانه يصم بما يصم، وحججه كالمرهفات قاطعة، ولججه كالظلمات، لا يتقحمها السفن حتى ولا الأهلة الطالعة، على أن أحسن ماله ما هو طائر على الألسنة ظاهر، مما حفظ في الصدور من أشعاره المحسنة، وهكذا كان رأي قدوة العلماء والأدباء قاضي القضاء تقي الدين أبي الفتح القشيري المعروف بابن دقيق العيد ﵀.
حدثني الحافظ أبو الفتح محمد بن سيد الناس اليعمري ﵀. قال: جرى ذكر ابن الرومي في مجلسه فأطنب الحاضرون وكانوا جماعة من أهل الفضل والأدب، فلماء فرغ كلامهم، قال: شعره الجيد هو الذي يتذاكر به الناس. وكان ابن الرومي نهمًا لا يشبع، خصمًا لا يسترجع طباعه كلما طبع، وشيمها جميعها لؤم قد اجتمع، يتطير مما قد رأى قبيحًا كان أو حسنًا ويتغير، فلا يكون إلا مسببًا ولو كان محسنًا وما يكفيه أن يحمل الأمر على ظاهره حتى يتحيّل، ويخال وأن كان لا يخيل. وكان على هذه المعايب، التي لو كانت بالماء لما شرب، أو بالبقاء لما طلب، أو بالنهار لذهب
= للمرزباني ٢٨٩ و ٤٤٨ والذريعة ١: ٣١٣ ومجلة الكتاب ١: ١٨٦ ودائرة المعارف الإسلامية ١: ١٨١ مذيلة بتعليق من إنشاء الأستاذ عباس محمود العقاد، شاكًا في صحة الخبر عن موت ابن الرومي من سم القاسم بن عبيد الله، وبانيًا شكه على ما يذكر من أن القاسم قال لابن الرومي: «سلم على والدي» ووالده كان حيًا في ذلك الحين. الأعلام ٤/ ٢٩٧. معجم الشعراء للجبوري. ٣/ ٤٤٥. (١) سورة الروم: الآية ٣.