للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في أبيات كثيرة ومعانٍ أثيلة أثيرة، ثم رجع إلى العراق، وجرت له في أثناء ذلك مشاق، ثم كان آخر أمره أن أتى الشام قافلًا، ووصل إلى حلب عن منيته سائلًا، وبعد ذلك فارقها. فلما كان على مرحلة خرجت عليه من كلب ركائب مرحلة، في خيل كالسيل أو الليل، فشمّر الذيل، وعلم أنه ما يعرف من النجوم إلا سهيل، فقاتل قتالًا شديدًا، وأراهم عودًا صليبًا، وقلبًا حديدًا، ولحقه الناس وهو من صرعى جراحهم، وقتلى ما أنتاش لحمه من سلاحهم، فلما رأى نفسه تُجذب في السياق، وروحه تلعب بها أرواح أهل العراق، وشلوه ينهب وهكذا آخر كل مشتاق، قال (١): [من المنسرح]

دعهُ يُداري فنعم ما صنعا … لو لم يكن عاشقًا لما خَضَعَا

وكلَّ مَنْ في فؤادِهِ وَجَعٌ … يطلب شيئًا يسكن الوجعا

وَارَحْمَتَا لِلْغَرِيبِ فِي الْبَلَدِ … النَّازِح ماذا بِنَفْسِهِ صَنَعا

فَارَقَ أَحْبَابَهُ فَمَا انْتَفَعُوا … بِالْعَيْشِ مِنْ بَعْدِهِ ولا أَنْتَفَعا

ولما أحس بالموت قلق، وأنشد وهو في دموعه غرق (٢): [من المجتث]

أَزِيدَ في اللَّيْلِ لَيْلُ … أَمْ سالَ بالصبح سَيْلُ

ذكرت أهل دجيلٍ … وأَينَ مِنِّي دُجَيْلُ (٣)

فرق له الناس، وبكوا ومات وبعضهم يقول لا بأس.

وقال (٤) في الحبس أشعارًا منها:

قالتْ حُبِسْتَ فقلتُ ليسَ بِضَائِرٍ … حَبْسِي وأَيُّ مُهَنَّدٍ لا يُعْمَدُ

أَوَما رَأيتِ اللَّيْثَ يَأْلَفُ غِيلَهُ … كِبْرًا وأَوْباش السباع تَرَدَّدُ (٥)

والبدرُ يُدْرِكُهُ السِّرارِ فتنجلي … أَيَّامُهُ وكَأَنَّهُ مُتَجَدِّدُ (٦)

والغيثُ يَحْصُرُهُ الغَمامُ فما يُرى … إِلاَّ وَرَيّقُهُ يَراحُ وَيَرْعُدُ (٧)

والنار في أحجارها (مخبوءةٌ) … لا تُصْطَلَى إِنْ لم تُثِرْها الأَزْنُدُ


(١) القصيدة في ديوانه ص ١٥٤ في ٤ أبيات.
(٢) البيتان في ديوانه ص ١٧٠.
(٣) في تاريخ بغداد ١١/ ٣٦٩: إن منزل علي بن الجهم كان في شارع دجيل ببغداد. وفي المختار من شعر بشار ص ١٧: كانت دار علي بن الجهم شارعة على دُجَيل.
(٤) القصيدة في ديوانه ص ٤١ - ٤٧ في ٢٨ بيتًا.
(٥) الغيل: الشجر الكثير الملتف والأجمة وموضع الأسد.
(٦) السرار: آخر أيام الشهر.
(٧) الريق من كل شيء: أوله، ومن المطر الشيء اليسير. يراح: رَاحَ اليوم يراح ريحًا: كان شديد الريح.

<<  <  ج: ص:  >  >>