للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقدرنا أن نعول فيه على خزائن أمير المؤمنين إما عارية، وإما هبة، فزال بذلك التشنيع الواقع عليه كله، وأمره بنزولها. رأى أن يطلق للمأمون الانتقال إليها، فانتقل إليها جعفر بن يحيى.

ولما عزم جعفر على بناء قصره هذا شاور أباه يحيى بن خالد، فقال: هو قميصك، إن شئت فوسعه، وإن شئت فضيقه، وأتاه وهو بين يديه وهو يبتني داره هذه، وإذا الصناع ينقضون حيطانها، فقال: إنَّك تغطي الذهب بالفضة. فقال له جعفر: في كل أوانٍ يكون ظهور الذهب أصلح، ولكن هلا ترى عيبًا. قال: نعم مخالطتها دور السُّفّل والسُّوقة.

وحكي أن جعفر بن يحيى لما عزم على الانتقال إلى داره، وهو القصر، جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه إليه، فاختاروا له وقتًا من الليل، فلما حضر الوقت خرج على حمار من الموضع الذي كان ينزل فيه إلى قصره، والطريق خالية، والناس هادون، فلما صار إلى سوق يحيى رأى رجلًا قائمًا، وهو يقول: [من الوافر]

تَدَبَّرَ بالنجوم وليسَ يَدْرِي … وربُّ النجم يفعل ما يُرِيدُ

فاستوحش ووقف، ودعا بالرجل، فقال له: أعد عليَّ ما قلت، فأعاده، فقال له: ما أردت بهذا؟ فقال له: والله ما أردت به معنى من المعاني، ولكنه شيء عرض علي، وجاء على لساني في هذا الوقت، فأمر له بدنانير ومضى لوجهه، وقد نغص عليه سروره (١).

قال إسحاق بن سعد: سمعت عمر بن فرج الرُّخَّجي، ومن الحارث بن بستنخر حالًا لطيفة جدًا، وأنه وصف جلالة الحارث ونبله وفضله، قال: فقلد جعفر بن يحيى في بعض الأوقات الحارث ضياعه بالأهواز، وكان لها قدر جليل فسعي به إليه، وقيل: إنه قد قطع من أمواله أموالًا جليلة، وإنَّ فرج الرخجي يعلم ذلك، وإنّه ستر ما بلغه، فأحضر فرجًا، فجاءه وسأله، واستحلفه صدقه عن ذلك، فأحضر جعفر أبي وخلا به، وسأله عن أمر الحارث، وما بلغه عنه، فأنكره، فاستحلفه عنه بالطلاق، فحلف له به، فلما خرج من عنده، قال لي: قل لفلانة الحرة، وكانت عنده تسترمي، فقلت لها: ذاك، وزال عن الحارث ما كان أشرف عليه.

ثم حج الرشيد، وحج معه يحيى بن خالد، وابناه الفضل وجعفر، فلما صار بالمدينة جلس الرشيد، ومعه يحيى بن خالد فأعطى أهلها العطاء، ثم جلس بعده محمد، ومعه الفضل بن يحيى فأعطاهم العطاء، ثم جلس عبد الله، ومعه جعفر بن يحيى، فأعطاهم العطايا، فأعطوا في تلك السنة ثلاث أعطية، وكان أهل المدينة


(١) الوزراء ٢١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>