للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان ينسب إليه، فكان الرائي إذا رأى القصر وجلالته، وعلم أني من ولد الباني له، عرف بذلك قديم نعمتي، وجلالة أولي فهدمه. فاستحسن يحيى ذلك منه، وقال للفضل وجعفر: لا شيء أبقى ذكرًا من البناء، فاتخذوا منه ما يبقى لكم ذكرًا. فاتخذ جعفر قصره، وكذلك الفضل، وأمر يحيى بإيفاد مستحث مع المتظلم، يطالب العامل بإعادة بناء قصره، وإنصافه في ظلامته (١).

قال إسحاق بن سعد: وحدثني أبو جعفر محمد بن علي كاتب عمر بن فرج، عمن حدثه ممن أدرك البرامكة، وكان يخبر كثيرًا من أمرهم، قال: لما قارب جعفر بن يحيى الفراغ من بناء قصره هذا، صار إليه ومعه أصحابه فيهم مويس بن عمران، وكان عاقلًا كاملًا، فطاف به، واستحسنه، وقال من حضره من أصحابه، وأكثروا فيه القول، ومويس بن عمران ساكت فقال جعفر: ما لك لا تتكلم، فقال: فيما قال أصحابنا كفاية، وتكرار القول مما لا يُحتاج إليه، وكان جعفر ذكيًا، فعلم أن تحت قوله شيئًا، فقال له: أنت فقل، فقال: هو ما قالوا، قال: أقسم لتقولن. قال: فإذا أبيت الآن إلا أن أقول، فتعتزل ناحية. فقال له تصبر على الصدق، قال: نعم، قال: بل تختصر، قال: أسألك بالله إلا خرجت من دارك هذه، فمررت بدار لبعض أصحابك تشبهها، أو تقاربها، ما أنت قائل؟ قال فهمت ما أردت، فما الرأي، قال: هو رأي واحد إن أخرته عن ساعتك هذه فأنت ولم تلحقه، قال: وما هو؟ قال: لا شك أن أمير المؤمنين قد طلبك، وسأل عن خبرك، وضجر لتخلفك، فأطل اللبث هاهنا، ثم امض إليه من فورك، فادخل عليه، وعليك أثر الغبار، فإذا سألك عن خبرك، فقل: صرت إلى الدار التي بنيتها للمأمون، ثم اتبع لك القول بما أنت أعلم به. وقد كان جعفر اتخذ في هذا القصر ثلاثمائة وستين مقصورة وكتب إلى كل ناحية يعمل فيها الفرش، فأمر أن يتخذ له ما يحتاج إليه لبنائه من الفرش على ذرعه، ومقاديره. وكان قد كثر القول في البناء والفرش، فأقام في الدار الشارعة مدة، ثم مضى من فوره، فدخل إلى الرشيد، فسأله عن خبره، فقال: كنت في الدار التي اتخذتها للمأمون على دجلة، وتفقدت بعض ما احتجت إلى تفقده فيها، فقال: أو للمأمون بنيتها؟ قال: لما شرفني أمير المؤمنين بأن جعله في حجري، واستخدمني له، وعرفت محله من قلبك، أردت بأن أبني له بناء يشبه هذا المحل، ومع ذلك فإني كتبت بأن يتخذ لجميع البناء فرش في جميع النواحي التي تستعمل فيها الفرش على مقادير، وبقي شيء لم يتهيأ اتخاذه،


(١) الوزراء ٢١٦ - ٢١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>