فَلَسْتُ وإِنْ أخْطَأْتُ في مدح جعفرٍ … بأوَّلِ إنسان خرا في ثيابِهِ
فبعث إليه بعشرة آلاف درهم، وقال له: اغسل ثيابك بهذه الدراهم. وقد كان جعفر بن يحيى كريمًا، ولا يستحق الهجو، ولكن الشعراء لا تملك ألسنتهم، وما زالت الأشراف تهجى وتمدح، وأدلَّ دليل على كرمه أن أبا نواس، على حذقه، وتقدمه في الصناعة، لما أراد هجاءه، لم يجد له ما يعيبه به إلا طول عنقه، ولو وجد غير هذا لقاله، والعيب في الخلق دون العيب في الخُلُق، ثم لما هجاه ثانيًا بما ذكرنا لم يعب خلقًا ولا خلقًا غير أنه تحمل فيه قوله: إنَّ اللؤم حشو إهابه ولو كان وجد خُلقًا ذميمًا لقاله في هجائه، وذمه بأوابده، ولكنه لم يجد إلا ملء سمعه وبصره. على أنه قد كان يقال: إنَّ جعفر بن يحيى مبخّل، وما ذاك كذاك، وإنما كان كرم أبيه يحيى وأخيه الفضل يغمران البحار كثرة.
وكان جعفر دونهما على كرمه المفرط، وجوده الزائد، مع قربه من الخليفة أكثر من قربهما، فلهذا بخل وإلا فهو كنز السماح، ورسيل البحر إذا سح، والغمام إذا ساح.
وتنازع الفضل بن الربيع وجعفر بن يحيى يومًا بحضرة الرشيد فقال جعفر للفضل: يا لقيط. فقال الفضل: اشهد يا أمير المؤمنين، فقال جعفر للرشيد: تراه عند من يقيمك هذا الجاهل شاهدًا يا أمير المؤمنين، وأنت حاكم الحكام؟!
قال إسحق بن سعد القطربلي: أخبرنا أبو حفص عمر بن فرج قال: انصرفت مع عمرو بن مسعدة يومًا من الشماسية، والمأمون بها في زلال لعمرو بن مسعدة فلما صرنا بإزاء قصر جعفر بن يحيى قال لي عمرو: يا أبا حفص، سرت وجعفر كمسيرنا هذا، فلما نظر إلى البناء، قال لي: يا أبا الفضل والله أني لأعلم أن هذا ليس من بناء مثلي، ولكن قلت: إن بقي لي فهو قصر جعفر، وإن شره السلطان إليه في وقت من الأوقات، فهو قصر جعفر، وإن مضت عليه الأيام، فإنَّما يقال: قصر جعفر. ويبقى لي اسمه وذكره. ولعل أن يمر به بعض من لنا عنده، معروف فيترحم علينا. ثم قال: فوالله لكأنَّ جعفرًا كان ينظر إلى ما آلت إليه الحال فيه!
وقد حكي أن السبب كان في بناء جعفر هذا القصر أن متظلمًا من أهل أصبهان تظلم إلى يحيى بن خالد من عامله بها، وقال له: إنَّه ظلمني، وأساء معاملتي، وأخذ ما لا يجب له مني، وهدم شرفي، فقال له يحيى: قد علمت ما تظلمت منه خلا هدم شرفي ففسر لي ذلك، فقال له الرجل: أنا من بني رجل كان بني قصرًا جليلًا،