يسمون ذلك العام عام الثلاثة أعطية، ولم يروا مثل ذلك قط إلا في أيام البرامكة (١).
في نحو من ذلك يقول ابن مناذر:«فتظلم بغداد … »، الأبيات، وقد تقدمت.
وكان جعفر بن يحيى طالب [محمدًا الأمين] لما حلف للمأمون في بيت الله الحرام أن يقول: خذلني الله إن خذلته. فقال ذلك ثلاث مرات. فحكي عن الفضل بن الربيع فيما حدث ميمون بن هارون محمدًا قال له: في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: أيا أبا العباس هو ذا أجد في نفسي أن أمري لا يتم، فقال له: ولم ذاك أعز الله الأمير؟ قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر، فقلت له: سبحان الله في مثل هذا الموضع؟ فقال لي: هو ما قلت لك. ولما أنفق الرشيد في تلك الحجة الأموال الجليلة، نفد ما كان معه، فقال ليحيى بن خالد: يا أبه احتل لي مالًا. فأخذ له من النجار مالًا، فاستزاده، فقال: يا أمير المؤمنين إنا بمكة وما نجد، فلقي جعفر بن يحيى عمر بن حبيب القاضي، وكان انقطاعه إلى يحيى، فقال له: ما صنع بك صديقك، يعني أباه، فقال: وكيف أعزك الله؟ قال: طلب منه أمير المؤمنين مالًا، فلم يحمل إليه حتى أتاه بعض خدمه بمائة ألف دينار، فقبضها بين يديه، وقال له: اصرف هذا يا أمير المؤمنين في بعض ما تحتاج، فلما رآه استكثره وأحب الرشيد جمع المال، وفرغ مما كان قصد له من توكيد بيعة أبنية، وأخذ الأيمان لكل واحد منهما على صاحبه، وعلى الناس لهما. قال موسى بن يحيى ابن خالد: فخرج أبي إلى الطَّواف وأنا معه من بين ولده، فجعل يتعلق بأستار الكعبة، ويردد هذا الدعاء، ويقول: اللهم إن ذنوبي جمة، ولا يحصيها غيرك، ولا يعرفها سواك، اللهم إن كنت معاقبي، فاجعل عقوبتي في دار الدنيا، وإن أحاط بذلك سمعي وبصري، ومالي وولدي، حتى تبلغ رضاك مني.
قال: وعلق الرشيد الكتب بالعهد لابنيه في البيت الحرام، وانصرف فنزل الأنبار، ودعا الرشيد صالحًا صاحب المصلَّى حين تنكر للبرامكة، فقال له: اخرج إلى منصور بن زياد فقل له: قد صحت عليك عشرة آلاف ألف درهم، فاحملها إليَّ في يومك هذا، وانطلق معه، فإن هو دفعها إليك كاملة قبل مغيب الشمس من يوم هذا، وإلا فاحمل إليَّ رأسه، وإياك ومراجعتي في أمره.
قال صالح: فخرجت إلى منصور، وهو في الدار، فعرفته الخبر فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ذهبت والله نفسي، ثم حلف والله لا يعرف موضع ثلاثمائة ألف درهم، فكيف بعشرة آلاف ألف؟ فقال له صالح: خذ في عملك، فقال له: امض بي إلى منزلي