للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم سار جعفر إلى الشام فأصلحها، وظفر بجماعة ممن سعى بالفساد، وشرد آخرين حتى استقامت أمورها. وله خطبة خطبها ذكرتها من بين كلامه لسدادها وهي:

الحمد لله الذي لم يمنعه غناه عن الخلق من العائدة عليهم، ولم تمنعه إساءتهم من الرحمة لهم، والرأفة بهم. دعاهم من طاعته لما يحييهم، وزادهم من معصيته عما يرديهم. كلفهم من العمل دون طاقتهم، وأعطاهم من النعم فوق كفايتهم، فهم فيما حملوا مخفف عنهم، وفيما حوَّلوا موسّع عليهم، وصلى الله على سيدنا محمد نبي الرحمة المبعوث إلى كافة الأمة وسلم تسليما.

أما بعد أيها الناس، فإني أوصيكم بالألفة، وأحذركم الفرقة، وآمركم بالاجتماع، وأنهاكم عن الاختلاف. قال الله ﷿: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (١). فأمر بالجماعة في أول الآية، ثم لم ينقض حتى نهى عن الفرقة، توكيدًا للحجة، وقطعًا للمعذرة. إن الفرقة تنشئ بينكم إحنًا يطلب بها بعضكم، بعضًا، وإن الجماعة تعقد بينكم ذممًا، يحمي بها بعضكم بعضًا، حتى تكون المكاثرة لواحدكم كالمكاثرة لجماعتكم، فمتى طمع عدو فيكم إذا كانت النائبة تعمكم إن غفل بعضكم حرسه بقيتكم، وإن غربت طائفة منكم منعها تآلفكم. إنه لم يجتمع ضعفاء قط إلا قَوُوا حتى يمتنعوا، ولم يتفرق أقوياء قط إلا ضعفوا حتى يخضعوا، واجتماع الضعيفين قوة تدفع عنها، وافتراق القويين مهانة يتمكن منها غافل الجماعة لا تضره غفلته، لكثرة من يحفظه، ومسقط الفرقة لا ينفعه سقطه، لكثرة من يطلبه، وصاحب الجماعة يدرك أَرْشَهُ من الخدش والشجة، وصاحب الفرقة يذهب حقه في النفس والحرمة (٢).

وفي جعفر بن يحيى يقول مسلم بن الوليد (٣). في قصيدة طويلة عند انصرافه من


(١) سورة آل عمران: الآية ١٠٣.
(٢) الوزراء والكتاب ٢٠٨ - ٢٠٩.
(٣) مسلم بن الوليد الأنصاري بالولاء، أبو الوليد المعروف بصريع الغواني: شاعر غزل، هو أول من أكثر من «البديع» وتبعه الشعراء فيه. وهو من أهل الكوفة. ولد سنة ١٣٠ هـ/ ٧٤٧ م. نزل بغداد، فأنشد الرشيد العباسي قوله:
وما العيش إلا أن تروح مع الصبى … وتغدو صريع الكأس والأعين النجل
فلقبه بصريع الغواني، فعرف به. قال المرزباني: اتصل بالفضل بن سهل فولاه بريد جرجان فاستمر إلى أن مات فيها. وقال التبريزي: هو مولى أسعد بن زرارة الخزرجي، مدح الرشيد والبرامكة وداود بن يزيد بن حاتم ومحمد بن منصور صاحب ديوان الخراج ثم ذا الرياستين فقلده مظالم جرجان. وقال السهمي في تاريخ جرجان: قدم جرجان وتوفي سنة ٢٠٨ هـ/ ٨٢٣ م، وقبره بها معروف. ولمحمد جميل سلطان «صريع الغواني - ط».
ترجمته في: النجوم الزاهرة ٢/ ١٨٦، وسمط اللآلي، ٤٢٧، والمرزباني ٣٧٢، والتبريزي ٣/ ٥، =

<<  <  ج: ص:  >  >>