سابق، قد غطاه القتام فما ترى علامته؟ فقال عيسى بن علي، وقال غيره لي: ثم طلع اخر على تلك الصفة، فنظروا فإذا هي لخالد بن برمك، وقد أخذ قصبات السبق. فقال خالد: مر يا أمير المؤمنين بقبضها. فقال له: هي لنا عندك. فإنك عدة من عددنا. فسُرِّي عن الرشيد. وزال الغضب عنه. ثم استخلف الرشيد جعفرًا بالرقة، وخرج مجاورًا، فاعتمر عمرة شهر رمضان، وأقام بالحرم حتى حجّ، وانصرف على طريق البصرة، وخرج منها إلى الجزيرة يريد الرقة.
ثم هاجت بالشام عصبة في سنة ثمانين ومائة، فقال الرشيد لجعفر: إما أن تخرج أنت إليها، وإما أن أخرج أنا إليها. فشخص جعفر بالرقة يريد الشام، فتبعه الرشيد، وخرج معه جميع من بحضرته من الإخوة والأشراف، وفيهم عبد الملك بن صالح، فلما ودعه عبد الملك قل له جعفر: اذكر حاجتك. قال له: حاجتي أعزك الله أن تكون كما قال الشاعر: [من الطويل]
وكوني على الواشينَ لَدَّاءَ شَغْبَةً … كما أنا للوَاشِي أَلَدُّ شَغُوبُ
فقال له جعفر: بل أكون كما قال الآخر: [من الرمل]
وإذا الوَاشِي أَتَى يَسْعَى بِهَا … نَفَعَ الوَاشِي بِمَا جَاءَ يَضُرُّ (١)
فقال منصور النميري ذلك قصيدة اخترت منها أبياتًا وهي (٢): [من الطويل]
لقد أُوقِدَتْ بالشام نيرانُ فِتْنَةٍ … فَهَذَا أوَانُ الشَّامِ تُخْمَدُ تَارُهَا
اذا جَاشَ مَوْجُ البَحْرِ من آلِ بَرْمَكِ … عليْها خَبَتْ شُهَبَانُهَا وِشَرَارُهَا
رَماهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ بجَعفرٍ … وفيهِ تَلاقَى صَدْعُهَا وانجبارُهَا
رماها بميمون النقيبةِ ماجِدٍ … تُراضُ بها قُحْطَانُهَا وَنِزَارُهَا
وفيه يقول: [من الطويل]
إذا ما ابن يحيى جعفرٌ قَصَدَتْ لَهُ … مُلمَّانُ خَطْبٍ لَمْ تَرُعْهُ كِبَارُها
لقد نشأت بالشام منكَ غمامةٌ … يُؤَمَّلُ جَدواها ويُخْشَى دمارها
فَطُوبَى لأهْلِ الشَّامِ يَا وَيْلَ أُمِّهَا … أَتَاهَا حياها أو أتاها بوارها
غدا بنجوم السَّعْدِ من حلّ رَحلَهُ … إِليكِ وعزَّتْ عُصْبَةٌ أَنْتَ جَارُهَا
فإِنْ سَالَمُوا كَانَتْ غمامة نائل … وغيث وإلا فالدماء قطارها
(١) الوزراء والكتاب ٢٠٨
(٢) تاريخ الطبري ٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣، شعره ١٤٩ - ١٥٠ رقم ١٤٩.