للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان جعفر بن يحيى يقول:

الخط سمط الحكمة، به تفضل شذورها، وينظم منثورها.

ووقع على كتاب لعلي بن عيسى بن ماهان، وقد كتب إليه معتذرًا من أشياء بلغته عنه: [من الطويل]

كأنا وقد كنَّا صَدِيقًَا مُؤانِسًا … تَبَاعَدَ بينانا فدام إلى الحشر (١)

وقد وقع في كتاب آخر لعلي بن عيسى: حبَّب الله إليك الوفاء الذي أبغضته، وبعض إليك الغدر الذي أحببته، فما جزاء الأيام أن تحسن ظنك بها، وقد رأيت غدراتها ووقعاتها عيانًا وإخبارًا، والسلام.

ووقع على رقعة لمحبوس: العدوان أوثقه، والتوبة تطلقه.

وكان الأصمعي يألف جعفر بن يحيى، ويأنس به، ويختص بقربه، وله فيه مدائح كثيرة، وحكايات توصف، وتقريظ وتفضيل، فمن شعره فيه: [من المتقارب]

إذا قيل: مَنْ للندى والعُلا مِنَ النَّاسِ؟ قيل: الفتى جعفر

وما إن مدحت فتى قبلَهُ … ولكِنْ بَنُو برمك جَوْهَرُ (٢)

وقال جعفر يومًا لخادمه: خذ معنا ألف دينار فإني أريد أن أمر بالأصمعي، وأنزل عنده، فإذا حدثني وأضحكني، فضع الكيس في حجره، ثم صار إليه ومعه أنس بن أبي منيح، فحدثه الأصمعي بكل شيء، فلم يضحك، وانصرف، فقال له أنس ابن أبي منيح: إنه قد أضحك بجهده، فلم تضحك، وليس من عادتك رد شيء قد أمرت بإخراجه من بيت مالك. فقال له جعفر: ويلك قد وصلنا هذا الرجل بخمس مائة ألف درهم، ولم أدخل له بيتًا قبل هذه الدفعة، ورأيت «حُبَّه» مكسورًا، وعليه برنكان منجرد عنه مصلّى وسخ، وكل ما عنده ربِّ، وأنا أرى أن لسان النعمة أنطق من لسانه وإن ظهور الصنيعة أمدح وأهجى من مديحه وهجائه، فعلام أعطيه الأموال، إذا لم تظهر الصنيعة عنده، ولم تنطق النعمة بالشكر عنه، ثم أنشد نصيب (٣): [من الطويل]


(١) الوزراء والكتاب ٢٠٥.
(٢) الوزراء ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٣) نصيب بن رباح، أبو محجن، مولى عبد العزيز بن مروان: شاعر فحل، مقدم في النسيب والمدائح. كان عبدًا أسود لراشد بن عبد العزى من كنانة من سكان البادية. وأنشد أبياتًا بين يدي عبد العزيز بن مروان فاشتراه وأعتقه. وكان يتغزل بأم بكر «زينب بنت صفوان» وهي كنانية، وفي بعض الروايات «زنجية» ومن شعره فيها قصيدة مطلعها:
بزينب ألمم، قبل أن يدخل الركب … وقل: إن تملينا فما ملك القلب
له شهرة ذائعة، وأخبار مع عبد العزيز بن مروان وسليمان بن عبد الملك والفرزدق وغيرهم. وكان يعد مع جرير وكثير عزة. وسئل عنه جرير، فقال: أشعر أهل جلدته. وتنسك في أواخر عمره. وكان له =

<<  <  ج: ص:  >  >>