وتوفي عشية الاثنين السادس والعشرين من شعبان سنة تسع وتسعين وستمائة بدمشق ودفن بكرة الثلاثاء بسفح قاسيون، وتقدم في الصلاة قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وأنشد من شعره قوله: [من مجزوء الرمل]
عِلْمُ قَومي بيَ جَهْلُ … إِنَّ شَأني لأَجَلُّ
وذكر شيخنا أبو حيان، وقال: رأيته بمكة، وجالسته، وكان يظهر منه الحضور مع من يكلمه، ثم لا تظهر الغيبة منه، وكان يلبس نوعًا من الثياب مما لم يعهد لبس مثله بهذه البلاد.
قال: وكان يذكر أنه يعرف شيئًا من علوم الأوائل. وأنشد عن أبي الحكم ابن هانئ عنه قوله: [من البسيط]
خُضْتُ الدّجنَّةَ حتى لاح لي قَبَسٌ … وبان بانُ الحِمَى مِنْ ذلكَ القَبِسِ
فقلتُ للقوم هذا الرَّبْعُ رَبعُهُمُ … وقلتُ للسَّمْعِ لا تخلو مِنَ الحَرَسِ
وقلتُ للعين غُنِّي عَنْ مَحاسِنِهِ … وقلتُ للنّطق هذا مَوضِعُ الخَرَسِ
قلت: أنشدني شيخنا أبو الثناء الكاتب رحمه الله تعالى هذه الأبيات، وقال: كان من خبرها أن ابن هود حجّ، فلما أتى المدينة، وشارف أعلامها، نزل عن دابته واغتسل، ولبس ثيابًا نظافًا، ثم جعل يمشي، وهو يهمهم بكلام خفي سمعه بعض من كان يمشي خلفه، فإذا هو يقول: [من الطويل]
نَزَلنا عَنِ الأكوار نمشي كَرَامَةٌ … لِمَنْ بانَ عنه أَنْ نُلِمَّ بِهِ رَكْبا
ثم لم يزل يطأ من رأسه، ويخضع حتى أتى باب المسجد وكأنه راكع، فسلم على النبي ﷺ من ظاهر الحجرة، بأكمل الأدب، ثم صلى ركعتي التحية بالروضة، ثم خرج إلى الزيارة، فجلس على الرمل، ثم جعل يبكي ويخط على الرمل الأبيات، فقرأها بعض الحاضرين، فحفظها، وأنشدها عنه.
قلت: حدثت بهذا الشيخ سعيد خادم ابن هود، فقال: صحيح.
وحكى لي شيخنا أبو الثناء قال: أتى لاجين نائب الشام، وحسام الدين الرازي ابن هود، وهو لا يعرفهما، وكان مع لاجين سجادة، ففرشها تحت ابن هود بيده، وساعده الرازي. فقال له بعض من عنده: يا سيدي! هذا نائب الشام، وبيده قد فرش لك السجادة، وهذا الذي معه من أكابر العلماء. فقال: بارك الله فيهما، والله ما فرش لي السجادة إلا ليجلس على سرير الملك، وصاحبه قاضي القضاة.
وكان ابن هود ذا علم جمّ، ولكن كانت الغيبة غالبة عليه قال: ولقد كان يبقى الأيام والليالي لا يأكل طعامًا، ولا يشرب شرابًا، وكان كثيرًا ما يقعد في مقابر كيسان