للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مستدبرًا للمدينة، متوجهًا إلى القبلة، ويبقى الأيام الكثيرة في الحر والبرد، لا يتغير من مكانه، ولقد رأيته هناك في زمان صيف شديد، وقد لفحته هواجر الحر، وأثر فيه السموم، وكانت بيني وبينه صحبة، ووقفت أمامه، وأنشدته: [من الكامل]

أَنْتَ المنية والمنى فيك استوى … ظلُّ الغَمامة والهجير المُحرِقُ

فرفع رأسه إلي وقال: من تكون؟ فعرفته بنفسي، فقال: ما أعرفك، فانصرفت، وأنا أرثي له مما يقاسي.

وقد ذكره أبو الصفاء، وأنشد له قطعة، منها: [من الطويل]

أُوَرِّي بذكرِ الجَزْعِ عنه وبانة … ولا البانُ مطلوبي ولا قَصدِيَ الرَّملُ

وأذكر سعدى في حديثي مُغالِطًا … بليلى ولا ليلى مرادي ولا جُمْلُ

ولم أَرَ في العشاق مثلي لأنني … تَلَذُّ لي البلوى ويحلو لي العَدْلُ

سِوَى مَعشر حَلُّوا النظام ومَزَّقوا … الثياب فلا فَرْضٌ عليهم ولا نَفْلُ

مجانين إلا أَنَّ ذُلَّ جُنونِهِمْ … عَزيزٌ على أعتابهِمْ يَسْجُدُ العَقْلُ

وأنشدني الشيخ سعيد له شعرًا كثيرًا منها قصيدته المشهورة التي أولها: [من الطويل]

سلام عليكمْ صَدِّقَ الخَبَرَ الخُبْرُ … فلمْ يَبْقَ قالَ القَسُّ أَوَ حَدَّثَ الحَبْرُ

وهي قصيدة عسرة المسلك، متوعرة الجوانب، يحار في ظلماتها ويخبط في بهماتها، وجملة المختار منها قوله:

وأشرق نور الحقِّ مِنْ كلِّ وِجْهَةٍ … على كلِّ وجْه فاستوى السرُّ والجَهْرُ

فهاموا وتاهوا بين حق وباطلٍ … يُجَوِّزُهُ زَيدٌ ويمنعُهُ عَمرُو

ولو سلموا ساروا على منهج الهُدَى … إلى حضرة الرضوان لكنهم غُرُوا

فَقُواموا على ساقٍ مِنَ الجِدَّ واثبتوا … على قَدَم التجريد إِنَّ الغِنى فَقْرُ

ولا تجعلوها راحةً دُونَ غاية … فلا راحة إلا إذا بُعثِرَ القَبْرُ

ومما أنشد له ابن الكلاس قوله: [من الكامل]

حاشا ثِيابَكَ مِنْ أَذًى يا مَنْ لَهُ … القَدْرُ الكبيرُ ورِفْدُهُ لا يُمْنَعُ

لمْ يَبدُ فيهنَّ الدماملُ ضِلَّةً … بالقَصدِ لكن ساقهن المَطْمَعُ

لما رأت كفيك جودًا هامعًا … وسَحابَ ذاكَ الجَوْدِ لا يتقشَّعُ

قَصَدَتْ مُشاركة الأنام فأصبحتْ … مِنْ فَيضِ جُودِكَ تَستمد وتجمع

وهذا آخر من وقع في الجانب الغربي

<<  <  ج: ص:  >  >>