للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واحدًا، قال: فلما عقدت نية الطواف، وقعت ورمت النهوض فلم أستطع، فقلت: «اللهم إني تائب إليك، وراجع إلى ما أقمتني فيه». قال: فعند ذلك أطلقني الله للقيام، فقمت بوقتي ورجعت إلى عادتي التي هداني الله لها. رحمه الله تعالى.

ومنهم:

[٨٩] أحمدُ بنُ عَطَاءِ الله، أَبُو العَبَّاس

هب للمعارف رخاءً، ووهب الدنيا لأهلها سخاءً، وتألق نجمًا للمريد، ورجمًا للمريد، وكان عالمًا معلّمًا، وعارفًا يؤخذ عنه العرفان مسلما، إلى وقوف على الأسرار، ووقوف على قدم في الأسحار، وحضور قلب وشعور، ولب من الكلم كأنه شذور، وموارد حقيقية ورد مناهلها، وشعب طريقة توقى مجاهلها، فلم تزل به قدم، ولم يزل له في الإملاء قلم.

قال ابن عربي: سمعته يقول: ما ينبغي للذاكر أن يشتغل بمعاني الذكر، بل بالذكر، ويجعله تعبدًا لا يعقل معناه، ويقول: هذه عبادة أمرت بها، وأنا ممتثل الأمر، فإذا اعتقد الذاكر ذلك، كان الذكر يعمل بخاصيته: وما تقتضيه حقيقته». وأنشد: [من البسيط]

أهوى هواه وبعدي عنه يغيبه … فالبعد قد صار لي في حُبِّه أَرَبا

فَمَنْ رأَى دَيْفًا صَبًَّا أَخَا شَجَنٍ … ينأى إذا حِبُّهُ مِنْ أَرَضهِ اقتربا

وقال: الذكر حجاب عن المذكور، ولكونه بمنزلة الدليل، والدليل متى أعطاك المدلول سقط عنك لتحققك بالمدلول، فمتى كنت مع المذكور فلا ذكر، ومتى رددت الباب وجب الذكر عليك، والذكر للقلب بمنزلة الصقال للمرآة، ليتحقق بالحق صفاؤه وجلاؤه.

وقال: «مثل الذاكر اللاهي كمثل من ينادي شخصًا فإذا أجابه اشتغل عن سماعه، وكذلك الذاكر يأتيه المذكور، فلا يجده حاضرًا، وإنما الأصل المراقبة للمذكور، فمتى أجابك كنت معه، وهذا هو الأصل، والله أعلم».

وقال في معنى الحديث: «وما اتخذ الله وليًا جاهلًا»: «إن معناه أن الله إذا اختص له وليًا نور قلبه، فكان على بصيرة من ربه».

وقال في معنى قوله: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ (١) قال: قيل لي في المنام: تدري ما الواحدة؟. إنما أعظك بنفسك - والباء هاهنا باء السبب -.


(١) سورة سبأ: الآية ٤٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>