سلوكها. وسكن دمشق حيث طاب له الوطن، وطوى ذيل أسفاره وقطن. ولأهلها فيه اعتقاد، وظن خلص من انتقاد. وكانت تغلب عليه فكره، ويغل عقله إذا ثاب إليه سكره، فيظلُّ المُدَدَ شاردًا لا يدري، … وسائرًا لا ينطق، وإنما الزمان به يجري، مع ندى سكن بصيبة السحاب الهتان، وهدى بكت بسببه أهل البهتان على أن بعض الفقهاء لم يخله من لسع عقاربه، ورميه بأنه غير متق الله ولا مراقبه، ومن جهل شيئًا عاداه، والله حقيقة عمله، وما أبوء بظلمه.
يقال: إنه من أولاد ملوك المغرب.
قال الحافظ أبو محمد البرزالي: أبو عضد الدولة أبو الحسن علي أخو المتوكل على الله ملك الأندلس أبي عبد الله وكان عضد الدولة ينوب عن أخيه بمرسية، وتزهد الحسن، وترك الدنيا، واشتغل بشيء من علوم الحكمة والطب، ونظر في كلام ابن عربي، وابن سبعين، وكان من رأيه تعظيم ابن سبعين، وانتماؤه إليه. وكان زهده وإعراضه عن الدنيا ظاهرًا لا ينكره أحد. وعنده غفلة كثيرة في غالب أحواله، يصحبه الرجل سنة، ويغيب عنه أيامًا يسيرة، فيراه، فلا يعرفه، ويذكره بأشياء جرت له معه، فلا يذكر، ولا يظهر عليه أنه رأى ذلك الشخص عمره.
وحج مرات، وجاور، ودخل اليمن واحترمه سلطانها، وأرسل إليه وإلى أصحابه مالًا، ودخل دمشق غير مرة، وأكرم أول دخوله إليها إكرامًا كثيرًا، وقصده نائب السلطنة بها، والقاضي، وأعيان الناس، ثم طالت إقامته بها، فانتقص ذلك الإكرام، مع أنه كان يظهر عليه أنه لا فرق عنده بين الحالتين.
وكان ينقم عليه كلام يصدر منه لا يوافق الشريعة.
وكان الشيخ تقي الدين كثير الوقيعة فيه والنقمة عليه، والتنقص به، وبمذهبه، ينفر عنه التنفير الكثير، ويحذر منه التحذير الوافر.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ثم بان أمره، وقطع بأنه من رؤوس الاتحادية.
وحكى الفاضل أبو الصفاء الصفدي: قال: أخبرني الخطيب أبو محمد الحسن بن محمد القرشي، قال: كان ابن هود يلحقه حال يشغله عن حسه، ويذهله عن نفسه، حتى كان توضع في يده الجمرة ولا يشعر، فإذا أحرقته عاد إلى حسه. قال: وربما كان يقع في الحفائر، ولا يدري!. وكان يقرئ في «الدلالة» للريس موسى، وأسلم على يده جماعة من اليهود، فعملوا عليه حتى سقوه الخمرة في حالة غيبته، وأروه المسلمين، وهو في تلك الحال. ولا يغير ذلك عقيدة من له فيه عقيدة.
قال البرزالي: سألته عن مولده؟. فقال: في ثالث عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بمرسية.