وفيه قلة إنصاف، وبيان ذلك أن يقول إن مالكًا لم يضعفه، وإنما شح عليه بلفظة: ثقة (١)، وقد كانوا بها أشحاء، حتى لربما قيل لأحدهم أثقة هو؟ فيقول: الثقة
= (١/ ٢٧٦) الحديث رقم: (٥٥٣)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٣٢٠)، والبيهقي في الكبرى، كتاب الطهارة، باب الوضوء من الدم يخرج من أحد السَّبيلين وغير ذلك من دُودٍ أو حصاة أو غيرهما (١/ ١٨٧) الحديث رقم: (٥٦٨)، من طريق الفضل بن المختار، عن محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ، قال؛ فذكروه. قال ابن عدي: «وهذا لعل البلاء فيه من الفضل بن المختار هذا، لا من شعبة، لأن الفضل له فيما يرويه غير حديث منكر، والأصل في هذا الحديث موقوف من قول ابن عباس». فالإسناده ضعيف جدا، لأجل الفضل بن المختار، وهو البصري، قال عنه أبو حاتم الرازي فيما حكاه عنه ابنه في الجرح والتعديل (٧/ ٦٩) ترجمة رقم: (٣٩١): «هو مجهول، وأحاديثه منكرة يحدث بالأباطيل». وقال ابن الجوزي: «وهذا حديث لا يصح، أما شعبة: فهو مولى ابن عباس، قال مالك: ليس بثقة. وقال يحيى: لا يُكتب حديثه». ثم ذكر ما قاله ابن عدي في الفضل بن المختار. (١) قد تعقب الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٤/ ٣٤٧) كلام الحافظ ابن القطان الفاسي هذا، فقال: «وقال أبو الحسن بن القطان الفاسي: قوله: ويحمّل منه؛ يعني: من شعبة، وليس هو ممن يُترك حديثه، قال: ومالك لم يُضعفه، وإنّما شحَّ عليه بلفظه ثقة. قلت [أي: الحافظ ابن حجر]: هذا التأويل غير شائع، بل لفظة: (ليس بثقة) في الاصطلاح توجب الضعف الشديد، وقد قال ابن حبّان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له، حتى كأنه ابن عباس آخر»، والذي يظهر لي أن ما ذكره الحافظ ابن حجر من أن لفظة: «ليس بثقة» في الاصطلاح توجب الضعف الشديد، وأنها من ألفاظ التجريح، ولكن الذي عليه أهل العلم بالحديث والاصطلاح أن ذلك ليس بإطلاق، لأنهم أطلقوا ذلك اللفظ في بعض الرواة الضعفاء الذين يُعتبر بحديثهم، وفي بعض مَنْ كان في حفظهم بعض اللين، وكلُّ ذلك يُعرف إذا ما أُطلق هذا اللفظ دون تفسير، ولهذا أورد الخطيب البغدادي هذه اللفظة في الكفاية في علم الرواية (ص ١١١ - ١١٢)، في جملة أمثلة الجرح غير المفسر في (باب ذكر بعض أخبار من استفسر في الجرح فذكر ما لا يُسقط العدالة)، قال: «فكذلك قول الجارح: إنَّ فلانا ليس بثقة، يَحْتَمِلُ أن يكون لمثل هذا المعنى، فيجب أن يُفسّر سَببه»، ومثال ما ذكره الخطيب ما حكاه عبّاسُ الدُّوري في تاريخه (٣/ ١٧٩) ترجمة رقم: (٧٧٩) عن ابن معين في زبالة المدني: «ليس بثقة، كان يسرق الحديث»، وفي الهيثم بن عدي (٣/ ٣٠٣) ترجمة رقم: (١٧٦٧): «ليس بثقة، كان يكذب»، وما حكاه عنه ابن الجنيد في سؤالاته له (ص ٤٠٥) ترجمة رقم: (٥٥٩) في يونس بن خبّاب: «ليس بثقة، كان يشتم أصحاب النبي ﷺ، ومَنْ شتم أصحاب النبي ﷺ، فليس بثقة»، وأما إطلاق هذه اللفظة من غير تفسير، فإنه لم يؤثر عنهم أنهم عدوها من قبيل الجرح الشديد المُسْقِط للعدالة. وقول مالك في شعبة أنه ليس بثقة، غير مفسر، وقد ورد عنه ما يُوضّح مراده منه بأنه لم يكن من القراء، كما روى ذلك