حديثُ الصَّعْب بن جَثَّامة - يعني «أنَّ النبيَّ ﷺ حَمَى البقيع (١) - هو الذي يُعوَّلُ عليه» (٢).
قال أبو الحسن: فاحتمل هذا الكلام بقرينة سكوته عنه في الإقطاع، وبإعراضه عن رجاله أن يكون عنده صحيحًا، ويكون معنى «أصح هذه الأحاديث» ترجيح صحيح على صحيح، واحتمل بإبرازه من إسناده بعضُه أن يكون تبرأ من عُهدته، فيكون هذا الكلام تضعيفًا، والحديثان ضعيفان.
أما حديثُ:«لا حِمَى في الأَرَاكِ»(٣)، فللجَهْل بحال ثابت بن سعيد، وأبيه
(١) كذا في النسخة الخطية: «البقيع» بالباء، ومثله في بيان الوهم (٥/ ٢٠٩): وفي سنن أبي داود وغيره: «النقيع» بالنون، قال الحافظ في الفتح (٥/ ٤٥): «النقيع بالنون المفتوحة؛ وحكى الخطابي أن بعضهم صحفه فقال بالموحدة، وهو على عشرين فرسخًا من المدينة، وقدَّره ميل في ثمانية أميال، والمشهور أنه غير النقيع الذي فيه الحِمى. وحكى ابن الجوزي أن بعضهم قال: إنهما واحد؛ قال: والأول أصح». وحديث الصعب بن جثامة هذا عزاه الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٣/ ٣٠٠) لأبي داود، وهو في سننه، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في الأرض يحميها الإمام أو الرجل (٣/ ١٨٠) الحديث رقم: (٣٠٨٣)، من طريق عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس (هو ابن يزيد الأيلي)، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة، أن رسول الله ﷺ قَالَ: «لَا حِمَى إِلَّا اللَّهِ وَلِرَسُولِهِ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ. وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المساقاة، باب لا حمى إلا لله ولرسوله ﷺ (٣/ ١١٣) الحديث رقم: (٢٣٧٠)، من طريق الليث بن سعد، عن يونس بن يزيد الأيلي، به. وزاد في آخره: «وأن عمر حَمَى السَّرَفَ والرَّبَذَة». (٢) إلى هنا ينتهي كلام عبد الحق في الأحكام الوسطى (٣/ ٣٠١). (٣) الحديث من هذا الوجه، وبهذا اللفظ، هو إحدى روايات حديث أبيض بن حمال الذي صدر ذكره. وهذا الطريق أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الخراج والإمارة والفيء (٣/ ١٧٥) الحديث رقم: (٣٠٦٦)، من طريق فرج بن سعيد، قال: حدثني عمي ثابت بن سعيد، عن أبيه، عن جده، عن أبيض بن حمّال؛ أنه سأل رسول الله ﷺ عن حمى الأراكِ، فقال رسول الله ﷺ: «لَا حِمَى فِي الْأَرَاكِ» فَقَالَ: أَرَاكَةٌ فِي حِظَارِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا حِمَى فِي الْأَرَاكِ»، قَالَ فَرَجٌ: يَعْنِي بِحِظَارِي الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا الزَّرْعُ الْمُحَاطُ عَلَيْهَا. وإسناده ضعيف لجهالة ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمّال، قال عنه الذهبي في ديوان الضعفاء (ص ٥٦) ترجمة رقم: (٦٨٣): «مجهول»، وقال عنه في المغني (١/ ١٢٠) ترجمة رقم: (١٠٣٤): «لا يكاد يُعرف».