قوله تعالى:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} رَدَّ الكناية إلى التجارة؛ لأنها أعَمُّ وأفْضلُ، قال المبرد (١): الضمير للتجارة، وخُصَّتْ بِرَدِّ الضمير إليها لأنها كانت أهَمَّ إليهم. وقد تقدم نظير هذه المسألة فِي سورة التوبة (٢).
واللَّهْوُ هاهنا قيل (٣): هو الطَّبْلُ، كانوا إذا وافَتْ تِجارةٌ ضَرَبُوا الطَّبْلَ لِيَعْلَمَ الناسُ بها، وقيل (٤): كانت المرأة إذا نُكِحَتْ حُرِّكَتْ لها المَزامِيرُ والطُّبُولُ وابْتَدَرَ الناسُ إليها، فأنزل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا}؛ أي: ذهبوا ومالوا إليها، وعَدَلُوا نحوها {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} يعني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وقال الحسن (٥): أصابَ أهْلَ المدينة جُوعٌ وغَلَاءُ سِعْرٍ، فَقَدِمَتْ عِيرٌ من الشام تحمل تِجارةً لِدِحْيةَ بن خليفة الكلبي (٦)، والنَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ يوم
(١) قال النحاس: "فتقديره على قول محمد بن يزيد: وإذا رأوا تجارةَ انْفَضُّوا إليها، ثم عُطِفَ الثانِي على الأول، فدخل فيما دخل فيه". إعراب القرآن ٤/ ٤٢٩، وينظر أيضًا: الوسيط ٤/ ٣٠١، زاد المسير ٨/ ٢٦٩. (٢) يعني قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} التوبة ٦٢، وهذا من الجزء المفقود من هذا الكتاب. (٣) قاله مجاهد والفراء وابن قتيبة، ينظر: تفسير مجاهد ٢/ ٦٧٥، معانِي القرآن للفراء ٣/ ١٥٧، غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤٦٦، وينظر: جامع البيان ٢٨/ ١٣٤، إعراب القرآن للنحاس ٤/ ٤٢٩. (٤) قاله جابر بن عبد اللَّه، ينظر: جامع البيان ٢٨/ ١٣٤، إعراب القرآن ٤/ ٤٢٩، تفسير القرطبي ١٨/ ٣٥٩. (٥) ينظر قوله في جامع البيان ٢٨/ ١٣٢ - ١٣٣، الكشف والبيان ٩/ ٣١٧، الوسيط ٤/ ٣٠٠، الدر المنثور ٦/ ٢٢١. (٦) صحابِيٌّ بَعَثَهُ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- برسالته إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وحضر كثيرًا من الوقائع، =